الإنكار ، كمن يشكو جانياً بطريق الغيبة وهو حاضرٌ ثم يُقبلُ على الجاني مواجهاً بالتوبيخ … ) (( (1) )) إذ لو أُريد الزيادة في الإنكار لأُتيَ بالخطاب أولاً فهذا أشدُّ وقعاً وإن رأى محمد عبده أنه ذكر خبر العبوس والتولي بالحكاية عن الغائب ليلفته إلى النظر في العمل في ذاته صادراً من أي شخصٍ نُسبَ إليه ، وخاطبه بعد هذا الاستدعاء تشديداً في العتاب (( (2) )) ذلك أن العتاب هنا ليس لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلم مُقصرٌ ، بل يُعاتبَهُ على أنه حَمّلَ نفسه من المشقة ما لم تطلبه الرسالة بدليل ( أما من استغنى فأنت له تصدّى ، وما عليك ألا يزّكى )( عبس : 5-7 ) فالعتاب كان لصالح الرسول صلى الله عليه وسلم لا كما يأخذه ( السطحيون ) ، كما سماهم الشعراوي رحمه الله ، من المفسرين بأن ذلك عَتَبٌ على تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم (( (3) )) فقد كان العتاب حرصاً عليه وتخفيفاً عنه ، لا عتاب تقصيرٍ وحساب ، وهو الصحيح ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجهدُ نفسه في الدعوة إلى الله ، فيوجهُهُ الله عز وجل لما فيه راحته ، قال تعالى : ( فلا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه ) (طه : 114) وقال تعالى : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إنّ علينا جمعه وقرآنه ) ( القيامة : 16 ) وقال تعالى : ( فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا )( الكهف : 6 ) …
فجاء التعبير ( ما ودعك ) و ( ما قلى ) بدون كاف المخاطب في الثانية تطميناً وإنْ في سياق النفي وهذا من بديع لغة التنزيل في رعاية المعاني الهامشية للألفاظ ومطابقة ظلالها لمقتضيات الحال، كما في قوله تعالى في خطابه صلى الله عليه وسلم (وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر) في حين
(1) غرائب القرآن 30 / 26 .
(2) ينظر : الإعمال الكاملة 5 / 327 .
(3) ينظر : المختار 1 / 94 .