قلى…هجر…عن كره وبغض…لا يرجى بعده لقاء…فعل يأتي في سياقات الكره والهجر والبغض
لذلك كان السياق البلاغي يستلزم هنا هذا الاستعمال ، وإلا ذكر ما يدل على الإيحاش في معرض التطمين وليس فيه مراعاة لمقتضى الحال البلاغي مما ينفي بلاغة التعبير ، وهو أمرٌ ليدركه واضحاً جلياً من سبر التعبير القرآني وخبر أساليبه ولا سيما في خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم :
من ذلك قوله تعالى : ( عبس وتولى أن جاءَهُ الأعمى وما يدريك لعله
يزّكّى … )( عبس : 1 – 3 ) ففي الآية التفات عن الغيبة إلى الخطاب وفيه
( انكار للمواجهة بالعتب أولاً ، إذ في الغيبة إجلال له ؛ لإيهام أنّ من صدر منه ذلك غيرهُ ، لأنَّه لا يصدر عنه مثله ، كما إنّ في الخطاب إيناساً بعد الإيحاش وإقبالاً بعد إعراض (( (1) )) ، أي فيه مراعاة نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا كثيرٌ في القرآن ، كما في التقديم في قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذِنتَ لهم ) فمعهود الكلام تقديم العتب على العفو ، لكن التعبير هنا جاء بتقديم العفو على المعاتبة زيادة في تطمينه صلى الله عليه وسلم ، ولئلا يدخله شئ من الضيق قبل تمام الآية ، واختيارنا في آية عبس أولى من قول النيسابوري أن ( في الالتفات من الغيبة إلى الخطاب دلالة على مزيد
(1) تفسير القاسمي 17 / 53 .