إن تحديد أي قضية لها علاقة أساسية بالواقع. فالواقع لا غيره هو الذي يحدد (القضية). أما القرآن والسنة -وبقية المصادر التشريعية- فتضع أسس الحل ولا تحدد (القضية).
لقد كان القرآن الكريم تنزل آياته تبعاً لأسباب واقعية تستدعي نزولها. أي أن الواقع سابق أو متقدم على النزول. فإذا عكسنا المعادلة تحول الدين إلى موضوعات فكرية مجردة منعزلة عن الواقع ميتة لا حياة فيها.
إن القرآن هو الروح، والواقع هو الجسد الذي تتمثل فيه هذه الروح فإذا انفصلت الروح عن الجسد أو افترقا كان الموت لأن الموت افتراق الروح عن الجسد وليس عدمها .فإذا فصلنا القرآن عن الواقع توقف تأثيره الفاعل ودوره القيادي في توجيه الحياة.إن المهام أو القضايا لا يصح أن تحدد ذهنياً أو قرآنياً بل واقعياً وإلا كان الواقعيون من أصحاب التوجه غير الديني أقرب إلى الناس ومعاناتهم من أصحاب التوجه الديني لأنهم يعيشون واقعهم ويشاركونهم معاناتهم.
صحيح أن لهم حلولهم ولنا حلولنا المنطلقة من الكتاب والسنة. ولكن إذا لم ننطلق أساساً من الواقع كنا كمن يضع علاجاً مثالياً لمرض غير موجود، في الوقت الذي يترك المرضى يعانون فيه مما يعانون من أمراض تنهك صحتهم وتنغص عيشتهم. وفي هذه الحال يكون المعاون الطبي أو المضمد أو (العشاب) أو حتى المشعوذ و(العراف) أقرب إلى المريض لأنه يشاركه همومه ومعاناته ويحاول علاجها له وإن أخطأ في التشخيص أو العلاج أو كان علاجه غير متكامل. وحينذاك سينعزل الطبيب المثالي ويضيع في مثاليته، ولن يجد من يستمع إلى نصائحه، ولا من يستعمل (وصفته) البعيدة عن واقع الناس ومعاناتهم مهما كان عالما حاذقا.
إن الواقع يرسم لنا معالم (القضية)، والقرآن الكريم يرسم لنا معالم الحل. هذه هي القسمة العادلة بينهما.