الفصل الخامس في ذكر شيء من نعم الله تعالى
إن نعم الله تعالى على عباده عظيمة، لا يمكن أن يحصوها، أو يدركوها على حقيقتها، وذلك لكثرتها واستمرارها ويسرها، وتتابع إنعام الله بها، قال تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ﴾ ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 32 - 34] وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20] وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29] فأخبر جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعاً لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع، أما في الدين فدليل وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه) (1).
وقد ذكر الله تعالى إنعامه على عباده في كثير من آيات القرآن –مع أنها نعم مرئية– وذلك – والله أعلم – ليتذكرها العباد ولا يغفلوا عنها، ليقوموا بشكرها، والاعتراف بفضل الله تعالى عليهم.
وإن ذكر الله تعالى هذه النعم يبرز لنا دلالات عديدة منها:
1 - الدلالة على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء، وأن له العلم التام، والحكمة البالغة.
2 - الدلالة على تفرده تعالى بسعة ملكه، وعظمة سلطانه وأنه المتصرف بشؤون خلقه، وتدبيرهم.
3 - الدلالة على رحمة الله الواسعة، ولطفه الشامل، وعنايته بخلقه، وسعة فضله وعطائه، وأنه المنعم المتفضل على خلقه بكل ما تقوم به مصالحهم، وتنتظم به معايشهم.
4 - الاستدلال بذلك كله على وجوب إفراده بالمحبة والتعظيم والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه، والسعد في طاعته وامتثال أمره (2).
(1) تفسير الطبري (تحقيق شاكر) 1/ 426).
(2) انظر تفسير السعدي (1/ 125 - 126)