من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم فقال " يامعشر المسلمين ألله ألله , أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألَّف بين قلوبكم؟ " فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم سامعين مطيعين (1).
فهذه نتائج العصبية الجاهلية الممقوتة كادت أن تُودِي بوحدة المسلمين في المدينة لولا أن تداركهم الله برسوله صلَّى الله عليه و سلَّم فأطفأ نار الفتنة , ولكن هذه العصبية فرقت وحدة الأمة الإسلامية بعد ذلك فتجزأت إلى دويلات صغيرة وأصبح بأسهم بينهم شديدا , وليس عندهم الإيمان القوي الذي عند الأوس والخزرج حتى يلبوا نداءه ويتأسفوا على مابدر منهم , وليس عندهم القادة الربانيون الذين يستطيعون التأثير عليهم , وإن كانوا قد ثابوا إلى الإيمان في بعض الفترات إلا أنه على نطاق ضيق.
القومية العربية البغيضة:
وبالأمس القريب قامت من الدولة العثمانية شبه وحدة إسلامية حيث انتظمت هذه الدولة أكثر بلاد الإسلام حتى أصبحت أكبر دولة في العالم وأصبحت الأمم الأخرى ترهبها , ولطالما حاولت التناوش معها ولكنها باءت بالفشل والخيبة أمام ذلك البناء القوي المتماسك , فعرفت الدول الغربية أخيرا كيف تضرب على الوتر الحساس حيث أشعلت نار العصبية بين العرب والأتراك فاستجاب بعض العرب لتلك الصيحات الأثيمة , وقادوا أنفسهم إلى الهلاك كما تنقاد الخراف إلى مذابحها , ووثقوا بعدوهم الكافر ناسين قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (2) وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (3) وتخلقوا بأخلاق المنافقين الذين قال الله عنهم: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
(1) سيرة ابن هشام ج 2 ص 211 - 213.
(2) الممتحنة: 1
(3) النساء:144