إلا هو لو أنفقت الدنيا ذهباً وفضة، ما ألفت بين قلوبهم، ولا آخيت بينهم؛ لأن القلوب لا تلقى إلا على دين الله.
فنحن نرى اليوم: أن من يصطلح صلحاً على الدين، وعلى غير لا إله إلا الله، يجعل الله صلحهم دماراً وخراباً، ويجعل اجتماعهم فتنة ويجعل عزتهم ذلة، ويجعل غناهم فقراً لأنهم اجتمعوا على غير طاعة الله.
أما الإسلام فقد ألف بينهم، فقبائل العرب كانت أكثر من ثلاثين قبيلة، فلما آخى (صلى الله عليه وسلم) بينهم أصبحوا أمة واحدة ن يقاتلون في صف واحد، ويصلون في صف واحد.
عند البخاري في (الصحيح) أن الصحابة اجتمعوا في مجلس يتشاورون في أمر الحرب، وكان معهم: سيف الله خالد بن الوليد أبو سليمان، ومعهم: بلال بن رباح المولى العبد الذي رفعه الإسلام حتى أصبح سيداً من السادات، ومعهم أبو ذر.
فتكلم بلال فرد عليه أبو ذر، قال: يا أبن السوداء. فقال بلال: والله، لأرفعنك إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فذهب إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) فأخبره، وقال: يا رسول الله!! أبو ذر تكلمت، فقال لي كذا وكذا. فاحمر وجهه (صلى الله عليه وسلم)، واستدعى أبا ذر، فقال له: (أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية) .. قال: يا رسول الله، أعلى كبر سني وشيبتي. قال: (نعم، إنك أمرؤ فيك جاهلية). فخرج أبو ذر وقال: لا جرم، والله، لأنصفن بلالاً من نفسي، فوضع أبو ذر رأسه على التراب، وقال: طأ بلال رأسي برجلك، والله لا أرفع رأسي حتى تطأ برجلك. هذا هو التآلف، وهذا هو الحب الذي يمحي كل خطأ، وكل ذنب.
يقول سبحانه عن المؤمنين: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (1) أذلة: جمع ذلول، أي: مع إخوانه، وأما مع الكفار: فعزيز قوي. لكن الجاهلية جعلت من الإنسان أسداً جسوراً على جيرانه وأرحامه وقبيلته، وذليلاً مخادعاً جباناً أما الكفار والأعداء، فنسأل الله أن يصلح الحال.
(1) المائدة: من الآية 54