جزء : 2 رقم الصفحة : 134
والإشارة في تحقيق الآيتين أن العبد إذا غلبت عليه الصفات الذميمة واستولى عليه الهوى والشيطان ومات قلبه تكاملت الصفة الأمارية لنفسه فما ينطق إلا عن الهوى إن هو إلا وحي يوحيه إليه الشيطان كقوله تعالى : ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآااهم﴾ (الأنعام : 121) والنفس إذا تكملت بالهوى تدعى الربوبية كما ادعى فرعون وقال : أنا ربكم الأعلى فيكون كلامها من صفات الربوبية وأن من صفات الربوبية قوله : ﴿والله الغنى وأنتم الفقرآء﴾ فإذا تم فساد حال النفس الأمارة بالسوء أثبتت صفات الربوبية لنفسها وصفات العبودية لربها كقوله : ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء﴾ أثبتوا لنفسهم صفات الربوبية وهي الغنى وأثبتواصفة العبودية وهي الفقر ﴿سنكتب ما قالوا﴾ أي سنميت قلوبهم بأقوالهم هذه كما امتناها بأفعالهم هي ﴿وقتلهم الانابيآء بغير حق﴾ يشير إلى أن جزاء هذه الأقوال في حق الله مثل جزاء هذه الأفعال في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿ونقول ذوقوا عذاب﴾ القلب الميت ﴿الحريق﴾ بنار القهر والقطيعة ﴿ذالك بما قدمت أيديكم﴾ أي بشؤم معاملاتكم القولية والفعلية على وفق الهوى والطبيعة وخلاف الرضى والشريعة ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ بأن يضع الشيء في غير موضعه يعني لا يجعل المصلح منهم مظهر صفة قهره
135
ولا المفسد منهم مظهر صفة لطفه كما قال تعالى : ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام : 24) وهذا كما يقال :
ندهد هو شمند روشن رأى
بفرومايه كارهاي خطير
بورياباف اكره بافنده است
نبرندش بكار كاه حرير
جزء : 2 رقم الصفحة : 134
وإذا كان للعبد حسن الاستعداد يتحول القهر في حقه إلى اللطف بشرط أن يجتهد ويبذل ما في وسعه وطاقته وكم من مؤمن يصير في مآله كافرا وكم من عكسه فإذا جاء حين السعادة انقلب الحال وكذا الشقاوة.
قال بعض المشايخ العباد على قسمين في أعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت امداده كأعمار بني إسرائيل إذ كان الواحد منهم يعيش الألف ونحوها ولم يحصل على شيء مما تحصل لهذه الأمة مع قصر أعمارها ورب عمر قليل آماده كثيرة امداده كعمر من فتح عليه من هذه الأمة فوصل إلى عناية الله بلمحة.
فقد قال أحمد بن الحواري رحمه الله : قلت لأبي سليمان الداراني إني قد غبطت بني إسرائيل قال : بأي شيء؟ قلت بثمانمائة سنة حتى يصيروا كالشنان البالية وكالحنايا وكالأوتار قال : ما ظننت إلا وقد جئت بشيء والله ما يريد الله منا أن ييبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا إلا صدق النية فيما عنده هذا إذا صدق في عشرة أيام نال ما ناله ذلك في عمره الطويل فإن من بورك له في عمره أدرك في يسير من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة لكثرته وعظمه ودقته ورفعته.
وقد قال الشيخ الشاذلي رحمه الله في كتاب "تاج العروس" من قصر عمره فليذكر بالأذكار الجامعة مثل سبحان الله عدد خلقه ونحو ذلك ويعني بقصر العمر والله أعلم أن يكون رجوعه إلى الله في معترك المنايا ومنحوها من الأمراض المخوفة والأعراض المهولة وإذا كان الأمر على ما ذكر فالخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم إليه وتقل عوائقك ثم لا ترحل إليه عن عوالم نفسك والاتئناس بيومك وأمسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ومعناه والله أعلم أن الصحيح ينبغي أن يكون مشغولا بدين أو دنيا وإلا فهو مغبون فيهما عصمنا الله وإياكم من الغبن والخذلان والخسران.
مهل كه عمر به بيهوده بكذرد حافظ
بكوش وحاصل عمر عزيزرا درياب
جزء : 2 رقم الصفحة : 134
قيل : الدنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهال.
﴿الذين﴾ أي الذين ﴿قالوا﴾ وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيى بن أخطب وفنحاس بن عازوراء ووهب بن يهودا ﴿إن الله عهد إلينآ﴾ أي أمرنا في التوراة وأوصانا ﴿ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾ فيكون دليلا على صدقه.
والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله من نسيكة وصدقة وعمل صالح وهو فعلان من القربة.
قال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحونتعالى فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها وسط البيت والسقف مكشوف فيقوم النبي عليه السلام في البيت ويناجي ربه وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لا دخان لهاولها دوي وهفيف حين تنزل من السماء فتأكل ذلك القربان أي تحيله إلى طبعها بالإحراق فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يقبل بقي على حاله وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل القربان النار لم يوجب الإيمان
136