﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتااهم الله من فضله﴾ الموصول فاعل لا يحسبن والمفعول الأول محذوف لدلالة يبخلون عليه أي ولا يحسبن البخلاء بخلهم ﴿هو﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب ﴿خيرا لهم﴾ من إنفاقهم مفعول ثانن للفعل المذكور ﴿بل هو﴾ أي البخل ﴿شر لهم﴾ لاستجلاب العقاب عليهم ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ بيان لقوله هو شر لهم أي سيلزمون وبال ما بخلوا به الزام الطوق إذ لا طوق ثمة فيكون من قبيل الاستعارة التمثيلية شبه لزوم وبال البخل وإثمه بهم بلزوم طوق نحو الحمامة بها في عدم زوال كل واحد منهما عن صاحبه فعبر عن لزوم الوبال بهم بالتطويق واشتق منه يطوقون كما يقال منة فلان طوق
132
في رقبة فلان وقيل : هو على حقيقته وأنهم يطوقون حية أو طوقا من نار استدلالا بالحديث وسيجيىء ﴿ولله﴾ وحده لا لأحد غيره استقلالا واشتراكا ﴿ميراث السماوات والارض﴾ أي ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره من الرسالات التي يتوارثها أهل السموات فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله أو أنه يورث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والندامة ﴿والله بما تعملون﴾ من المنع والإعطاء ﴿خبير﴾ فيجازيكم على ذلك.
جزء : 2 رقم الصفحة : 129
واعلم أن البخل عبارة عن امتناع أداء الواجب والامتناع عن التطوع لا يكون بخلا ولذلك قرن به الوعيد والذم والواجب كثير كالإنفاق على النفس والأقارب الذين يلزمه مؤونتهم والصدقة على الغير حال المخمصة وفي حال الجهاد عند الاحتياج إلى التقوية بالمال.
ثم إن في الآية إشارة إلى أن البخل إكسير الشقاوة كما أن السخاء إكسير السعادة وذلك لأن الله تعالى سمي المال فضله كما قال : ﴿من فضله﴾ والفضل لأهل السعادة فبإكسير البخل يصير الفضل قهرا والسعادة شقاوة كما قال : ﴿هو خيرا لهم بل هو شر لهم﴾ يعني بإكسير البخل يجعلون خيرية ما آتاهم الله من فضله شرا لهم ولو أنهم طرحوا على ما هو فضله إكسير السخاء لجعلوه خيرا لهم فصيروه سعادة ولصاروا بها أهل الجنة ولن يلج الجنة الشحيح ثم عبر عن آفة حب الدنيا والمال بالطوق لأنها تحيط بالقلب ومنها تنشأ معظم الصفات الذميمة مثل البخل والحرص والحسد والحقد والعداوة والكبر والغضب وغير ذلك ولهذا قال النبي عليه السلام : "حب الدنيا رأس كل خطيئة" فبمنع الزكاة يصير الروح الشريف العلوي النوراني محفوفا بهذه الصفات الخسيسة السفلية الظلمانية مطوقا بآفاتها وحجبها وعذابها يوم القيامة وبعد المفارقة فإنه من مات فقد قامت قيامه :
نه منعم بمال ازكسى بهترست
خررا جل اطلس بوشد خرست
هنر بايد وفضل ودين وكمال
كه كه آيد وكه رود جاه ومال
سنديده رأيى كه بخشيد وخورد
جهان ازى خويشتن كرد كرد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له
زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه" يعني بشدقيه "ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ الآية" في رواية "يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول أنا مالك" وقال صلى الله عليه وسلم "ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون واسمنه تطأه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس".
قال أبو حامد : مانع زكاة الإبل يحمل بعيرا على كاهله له رغاء وثقل يعدل الجبل العظيم.
ومانع زكاة البقر يحمل ثورا على كاهله له خوار وثقل يعدل الجبل العظيم.
ومانع زكاة الغنم يحمل شاة لها ثغاء وثقل يعدل الجبل العظيم والرغاء والخوار والثغاء كالرعد القاصف.
ومانع زكاة الزرع يحمل على كاهله اعدالا قد ملئت من الجنس الذي كان يبخل به برا كان أو شعيرا أثقل ما يكون ينادي تحته بالويل والثبور.
ومانع زكاة المال يحمل شجاعا أقرع له
133
زبيبتان وذنبه قد انساب في منخريه واستدار بجيده وثقل على كاهله كأنه طوق بكل رحى في الأرض وكل واحد ينادي ما هذا فيقول الملائكة : هذا ما بخلتم به في الدنيا رغبة فيه وشحا عليه فمنع الزكاة سبب للعقاب في العقبى كما أن إيتاءها سبب للثواب في الأخرى وحصن لماله في الدنيا قال صلى الله عليه وسلم "حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا البلايا بالدعاء" قال عليه السلام : "لا صلاة لمن لا زكاة له".
جزء : 2 رقم الصفحة : 129