الإثم والطغيان فهو تعالى لما أمهلهم وأطال عمرهم بإرادته واكتسبوا بذلك مآثم من الكفر والطغيان كان خالقا لتلك المآثم أيضا ولا تخلق إلا بالإرادة فهو مريد لها كما أنه مريد لأسبابها المؤدية إليها وليست لام العلة لأن أفعاله تعالى ليست معللة بالأغراض وعند المعتزلة لام العاقبة ﴿ولهم عذاب مهين﴾ أي يهانون به في الآخرة قال عليه السلام : "خير الناس من طال عمره وحسن عمله وشر الناس من طال عمره وساء عمله".
ودلت الآية على أن إطالة عمر الكافر والفاسق وإيصاله إلى مراداته في الدنيا ليس بخير بل هي نعمة في الصورة ونقمة في الحقيقة ألا يرى أن من أطعم إنسانا خبيصا مسموما لا يعد ذلك نعمة عند الحقيقة لإفضائه إلى الهلاك والعقوبة فينبغي للعبد أن لا يغتر بطول العمر وامتداده ولا بكثرة أمواله ولا أولاده :
جزء : 2 رقم الصفحة : 129
غره مشو بآن جهانت عزيز كرد
اي بس عزيز راكه جهان كردزود خوار
مارست اين جهان وجها نجوى ماركير
وزماركير مار برآرد كهى دمار
قال الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج : "إن من نعمي على أمتك أني قصرت أعمارهم كيلا تكثر ذنوبهم وأقللت أموالهم كيلا يشتد في القيامة حسابهم وأخرت زمانهم كيلا يطول في القبور حبسهم" وقال أيضا : "يا أحمد لا تتزين بلين اللباس وطيب الطعام ولين الوطاء فإن النفس مأوى كل شر وهي رفيق سوء كلما تجرها إلى طاعة تجرك إلى معصية وتخالفك في الطاعة وتطيع لك في المعصية وتطغى إذا شبعت وتتكبر إذا استغنت وتنسى إذا ذكرت وتغفل إذا أمنت وهي قرينة للشيطان" وقيل مثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حملت عليها لا تطير وإذا قيل أنت طائر قالت أنا بعير وهذه رجلي وإذا حملت عليها شيئا قالت أنا طائر وهذا جناحي فكثرة المال وكمال الإستغناء تغر النفس قال تعالى : ﴿كلا إن الانسان ليطغى * أن رءاه استغنى﴾ (العلق : 7 7).
مبر طاعت نفس شهوت رست
كه هر ساعتش قبله ديكر ست
قال السعدي قدس سره :
شنيده ام كه بقصاب كوسفندي كفت
دران زمانكه بخنجر سرش زتن ببريد
جزاي هر بن خاري كه خورده ام ديدم
كسى كه بهلوي ر بم خورد ه خواهد ديد
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قلت يا رسول الله ألا تستطعم الله فيطعمك؟ قالت : وبكيت لما رأيت به من الجوع وشد الحجر من السغب فقال : "يا عائشة والذي نفسي بيده لو سألت ربي أن يجري معي جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض ولكني اخترت جوع الدنيا على شبعها وفقر الدنيا على غناها وحزن الدنيا على فرحها.
يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد" قال عليه السلام : "الدنيا والآخرة ضرتان فمن يطلب الجمع بينهما فهو ممكور ومن يدعي الجمع بينهما فهو مغرور" فمن رام مع متابعة الهوى البلوغ إلى الدرجات العلى فهو غريق في الغفلة فالله تعالى يمهله في طغيان النفس بالحرص على الدنيا حتى يتجاوز في طلبها حد الاحتياج إليها ويفتح أبواب المقاصد الدنيوية عليه ليستغني بها وبقدر الاستغناء يزيد طغيانه :
بناز ونعمت دنيا منه دل
كه دل بر داشتن كاريست مشكل
جزء : 2 رقم الصفحة : 129
فيا أيها الإخوان الذين مضوا قبلنا من الأمم قد عاشوا طويلا وجمعوا كثيرا فتذكروا موتهم
130
ومصارعهم تحت التراب وتأملوا كيف تبددت أجزاؤهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وهلكت بعدهم صغارهم وكبارهم وانقطعت آثارهم وديارهم فلم يرجع من كفر بنعمة الله إلا إلى العذاب والخسران ولم يصر إلا إلى دركات النيران فمن كانت غفلته كغفلتهم فسيصير إلى ما صاروا إليه وإن عاش طويلا فإن الله يمهل ولا يهمل قال تعالى : ﴿نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾ (لقمان : 24) وما الحياة والتمتع بها إلا قليل.
فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة لعلك تلحق بالجماعة من أهل الوصول وأرباب القبول.
وجميع الطاعات من أسباب الفلاح خصوصا الصلاة أفضل العبادات وأعلاها وأشرف الطاعات وأسناها.
والصوم سبب الولوج في ملكوت السموات وواسطة الخروج من رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما أشير إليه بقول عيسى عليه السلام : (لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين) بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء وإليه يشير الحديث القدسي وهو قوله جل شأنه "الصوم لي وأنا أجزي به" يعني أنا جزاؤه ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال في مخاطبة عيسى عليه السلام : (تجوع تراني).
همي آيد ازحق ندا متصل
تجوع تراني تجرد تصل
رزقنا الله وإياكم.