تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يشير إلى أنه وقت قيامه بالعشق رأى وجود غير الله ميتا بمنزلة الجماد وقد قال : ﴿كل شىء هالك إلا وجهه﴾ (القصص : 88)وصلاة الميت بأربع تكبيرات لا غير وهذا هو الفناء عن نفسه وعن المكونات حققنا الله تعالى بحقيقة التوحيد.

قال أبو يزيد : كنت اثنتي عشرة سنة حدادا لنفسي وخمسين سنة مرآة قلبي وسنة انظر فيها فإذا في وسطي زنار ظاهر فعملت في قطعه اثنتي عشرة سنة ثم نظرت فإذا في باطني زنار فعملت في قطعه خمس سنين انظر كيف أقطع فكشف لي فنظرت إلى الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات ، وقيل لأبي يزيد البسطامي بعد وفاته كيف كان حالك مع منكر ونكير فقال : لما قالا لي من ربك قلت لهما اسألا ربي فإن قال : هو عبدي يكفي وإلا فلو قلت : أنا عبده مرارا لا يفيد بلا قبوله وحقيقة العبودية بالتبري من جميع ما سوى الله ولو من صومه وصلاته وسائر عباداته.

روي أن أبا يزيد في آخر عمره دخل محرابه وقال : إلهي لا أذكر صومي ولا صلاتي ولا غيرهما بل أقول أفنيت عمري في الضلالة فالآن قطعت زناري وجئت بابك بالاستسلام وهو الإسلام وهذا هو الإنصاف من نفسه حقيقة.

قال الشيخ السعدي في حق شيخه السهروردي :

128

شبى دائم ازهول دوزخ نخفت

بكوش آمدم صبحكاهي كه كفت

ه بودي كه دوزخ زمن رشدي

مكر ديكر انرانرا رهايى بدي

فالعاقل لا يزكي نفسه ولا يراها محلا لكرامة الله بل يتواضع بحيث يرى أعماله السيئة كثيرة بالنسبة إلى أعماله الصالحة بل ولا يرى في نفسه إلا العدم المحض.

واعلم أن من شعار المسلمين وعادة المؤمنين أن يجاهدوا في سبيل الله ولا يخافوا لومة اللائمين ألا يرى أن الله تعالى كيف مدح قوما حالهم كذلك بقوله : ﴿يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لا اما ذالك فضل الله يؤتيه من يشآءا والله واسع عليم﴾ (المائدة : 54) فمن كان مع الله فهو يعصمه وينصره على أعدائه خصوصا عدو النفس الأمارة :

كسى رادانم أهل استقامت

كه باشد برسر كوى ملامت

زاوصاف طبيعت اك مرده

باطلاق هويت جان سرده

برفته سايه وخرشيد مانده

تمام ازكرد خوددا من فشانده

أوصلنا الله وإياكم إلى الخلوص واليقين والتمكين آمين ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر﴾ أي يقعون فيه سريعا لغاية حرصهم عليه وشدة رغبتهم فيه وهم المنافقون المتخلفون الذين يسارعون إلى ما أبطنوه من الكفر مظاهرة للكفار وسعيا في إطفاء نور الله ﴿إنهم لن يضروا الله شياا﴾ أي لن يضروا بذلك أولياء الله ودينه البتة شيئا من الضرر ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا فى الاخرة﴾ أي يريد الله بذلك أن لا يجعل لهم في الآخرة نصيبا ما في الثواب ولذلك تركهم في طغيانهم يعمهون إلى أن يهلكوا على الكفر.

وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ النهاية حتى أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته وأن مسارعتهم إلى الكفر لأنه تعالى لم يرد لهم أن يكون لهم حظ في الآخرة ﴿ولهم﴾ مع ذلك الحرمان الكلي بدل الثواب ﴿عذاب عظيم﴾ لا يقادر قدره.

جزء : 2 رقم الصفحة : 126

﴿إن الذين اشتروا الكفر بالايمان﴾ أي أخذوه بدلا منه رغبة فيما أخذوه وإعراضا عما تركوه ﴿لن يضروا الله شياا ولهم عذاب أليم﴾ ولما جرت العادة باغتباط المشتري بما اشتراه وسروره بتحصيله عند كون الصفقة رابحة وبتأمله عند كونها خاسرة وصف عذابهم بالإيلام مراعاة لذلك.

﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ الموصول مع صلته فاعل لا يحسبن ﴿إنمآ﴾ بما في حيزها سادة مسد مفعوليه لتمام المقصود بها وهو تعلق الفعل القلبي بالنسبة بين المبتدأ والخبر وما مصدرية أو موصولة حذف عائدها وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه متصلة فلا يخالف وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف ﴿نملى لهم﴾ الإملاء الإمهال وإطالة المدة والملي مقصورا الدهر والملوان الليل والنهار لتعاقبهما أي أن إملاءنا لهم أو أن ما نمليه لهم ﴿خير لانفسهم﴾ من منعهم عن إرادتهم ومعنى التفضيل باعتبار زعمهم ﴿إنمآ﴾ كافة حقها الاتصال ﴿نملى لهم ليزدادوا إثما﴾ اللام لام الإرادة عند أهل السنة القائلين بأنه تعالى فاعل الخير والشر مريد لهما فإن الإملاء الذي هو إطالة العمر لا شك أنه من أفعاله تعالى وأنه ليس بخير لهم لأنهم يتوسلون به إلى ازدياد

129

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٢ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٢ · ص ١٠٥