تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير، يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع

فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح، ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن (1) وحيث إن هذه الغزوات جميعها كانت بمثابة التمهيد بين يدي غزوة بدر الكبرى ولذلك يلاحظ فيها الآتي:

أولاً: عدم اشتراك الأنصار فيها، واقتصارها على المهاجرين، وقد يكون ذلك التزاماً بالبيعة، التي نصت على أن يمنع الأنصار الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ديارهم، لا أن يخرج بهم، وقد يكون إعلاماً لقريش بأن الذي كان يمنع المسلمين من مقاومتهم هو التزامهم بأوامر الله، حيث لم يشرع القتال.

ثانياً: تتابع هذه الأحداث، فالغزوات والسرايا كانت متلاحقة، لم تتوقف إلا في موسم الحج للسنة الأولى للهجرة، حتى كانت غزوة بدر، وفي هذا إشعار لقريش بأنها لم تعد آمنة مطمئنة في رحلاتها، وتنقل تجارتها. ثم هو إشعار لمشركي الأوس والخزرج، ويهود المدينة بقوة المسلمين، حتى لا تسول لهم نفوسهم محاولة الإساءة إليهم.

ثالثاً: نلاحظ أنها كلها موجهة ضد قريش، فهي العقبة الكؤود في وجه انتشار هذا الدين، كما أن لها الزعامة الدينية في الجزيرة العربية، ولذا فهي العدو البارز يومئذ، فكان من الضروري إشعارها بالقوة الناشئة بقيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

رابعاً: نلاحظ في سرية عبد الله بن جحش بعض الإجراءات التي تتطلبها المهمة، وهي مهمة استطلاعية، وينبغي أن تكون قائمة على السرية، ولذا كانت المهمة ضمن كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يفتتح إلا بعد ليلتين من السير بعيداً عن المدينة، حتى لا يعلم أحد أين الاتجاه، كما أنها أول عملية توغل قريباً من مكة مركز الوثنية؛ ولذا فهي عملية فدائية ينبغي أن تقوم على الرغبة من المشتركين وطواعيتهم، ولذا أُمر

(1) () زاد المعاد (3/ 170 - 171).

حدث غير مجرى التاريخ · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حدث غير مجرى التاريخص ٩٥