المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وبعد:
إن من يدرس سيرة ملك من الملوك، أو عظيم من العظماء، قد يجد في تلك الدراسة المتعة، وقد يجد فيها الفائدة أيضاً، إلا أن ذلك ليس مطلوباً منه لزاماً، فإنه لو لم يعرف ذلك الملك، أو ذلك العظيم، لم يضره الجهل به، ولا يلزمه إن درس سيرته أن يفقهها، أو يعمل بها، أو يدعو إليها وينشرها بين الناس.
بيد أن الرسول الكريم محمداً - صلى الله عليه وسلم - لا ندرس سيرته على أنه عظيم من العظماء فحسب، وإن كان هو - صلى الله عليه وسلم - أعظم الخلق، وأكرمهم، وأرفعهم منزلة في كل شأن من شؤونه، وإنما ندرس سيرته - صلى الله عليه وسلم - بناء على الإيمان بأنه رسول من عند الله حقاً، بعثه لهداية الناس، فقوله حق، وسيرته هدى؛ لذا وجب على كل مؤمن ومؤمنة دراسة سيرته - صلى الله عليه وسلم - أولاً، وفقهها ثانياً، والعمل بها ثالثاً، ونشرها بين الناس ودعوتهم إليها رابعاً؛ لأنه القدوة الحسنة والمثل الأعلى للأمة التي بعث لهدايتها، وقد أمرنا ربنا بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: 21].
ولذا؛ فإن من النقص الكبير أن يجهل المرء سيرة العظماء الذين لهم نسب به - صلى الله عليه وسلم -، كالخلفاء الراشدين، فإن سيرتهم تطبيق عملي لما كانوا يسيرون به معه في حياته - صلى الله عليه وسلم -، وسياستهم للأمة مأخوذة من سياسته لهم، بل إن أصحابه جميعاً لا ينبغي أن نجهل سيرتهم، لمن سمع وبلغه قوله - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الفرقة الناجية، فقال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (1)، وقد أمرنا ربنا - عز وجل - أن ندعو الله تعالى فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، ثم فسره بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:
(1) () العقيلي في الضعفاء (207 - 208)، وصحح الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 407)، حديث رقم (204).