واذكر أيضاً حينما برز الأعداء إلى أرض المعركة فرأيتموهم قليلاً، فاجترأتم عليهم، وقللكم في أعينهم ليتركوا الاستعداد لحربكم، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فيتحقق وعد الله لكم بالنصر والغلبة، فكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وإلى الله مصير الأمور كلها، فيجازي كلاً بما يستحق (1). قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)﴾ [الأنفال: 47 - 49].
"أي: ولا تكونوا مثل المشركين الذين خرجوا من ديارهم كبراً ورياء، ليمنعوا الناس عن الدخول في دين الله، والله بما يعملون محيط، لا يغيب عنه شيء. واذكروا حين حسن الشيطان للمشركين ما جاءوا له، وما هموا به، وقال لهم: لن يغلبكم أحد اليوم، وإني ناصركم، فلما تقابل الفريقان: المشركون ومعهم الشيطان، والمسلمون ومعهم الملائكة، رجع الشيطان مدبراً، وقال للمشركين: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون من الملائكة الذين جاءوا مدداً للمسلمين، إني أخاف الله، فخذلهم وتبرأ منهم.
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، لمن عصاه ولم يتب توبة نصوحاً.
واذكروا حين يقول أهل الشك والنفاق ومرضى القلوب، وهم يرون قلة المسلمين، وكثرة عدوهم: غر هؤلاء المسلمين دينهم، فأوردهم هذه الموارد، ولم يدرك هؤلاء المنافقون أنه من يتوكل على الله، ويثق بوعده فإن الله لن يخذله، فإن الله عزيز لا يعجزه شيء، حكيم في تدبيره وصنعه (2).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51)﴾ [الأنفال: 50 - 51].
(1) () التفسير الميسر ص 187.
(2) () التفسير الميسر ص 183.