وكانت الوالدة أمية، لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها في الحياة عالمة كبيرة، سواء في شئون المنزل أو مع الأقارب والجيران والأصدقاء. كانت تستيقظ في الفجر مثل الوالد وتبدأ في إعداد شئون المنزل من عجين وطبيخ وغسيل وتنظيف. كان من عادة الأسرة المصرية أن تعجن في المنزل؛ تشتري الدقيق وتعجنه وتخمره وترصه وتقدمه على طاولات من الفران الذي يأخذه وينقله إلى الفرن ويستخرجه طازجا بالعدد. وكانت تعرف كم كيلو دقيق يستخرج منه رغيف، الطري والملدن، وكان هذا يتم مرة في الأسبوع؛ فما دام هناك عيش في «المشنة» تكون الدنيا مستورة. وكنا نشتري الدقيق من السحار على باب درب الشرفا وشارع البنهاوي، وهو يسجل التاريخ، ومرة واحدة أخطأ في عدد المرات في الشهر، ولكن الوالدة هي التي صححته بذاكرتها؛ فليس مقياس الصواب والخطأ المكتوب في دفتر البقال بل المسجل في ذاكرتها. كانت تعد ثلاث وجبات يوميا لتسعة أفراد؛ الوالد والوالدة، وأخي سيد وأنا ، وخمس بنات: نبيهة، سعاد، فاطمة، علية، نادية. وكلنا نأكل الصنف من طبق واحد. ولم تكن هناك عادة أطباق الغرف المشتركة ولكل فرد طبق يأكل منه بعد أن يغرف ما يريد. وكانت المشكلة ما بعد الطعام، تتكاسل أخواتي البنات عن تنظيف الأطباق، والرجال؛ الوالد وأخي وأنا، ليس المطلوب منهم شيئا، فيقع العمل كله على الوالدة، فتعبت. ومرة سمعتها تصرخ عاتبة على أولادها البنات: «أصل انا العبدة اللي اشتراها لكم أبوكم»، فأحسست بالظلم الاجتماعي الذي يقع على المرأة. أما الرجل فلم يكن مطلوبا أن يفعل شيئا، عكس ما رأيت في أمريكا فيما بعد، عندما دعانا أستاذ الفلسفة إلى العشاء، زوجتي وأنا. ولما انتهينا قام هو ولبس مريلة المطبخ وظل يغسل الأطباق وزوجته تسامرنا!
وكان الوالد يغار عليها من أي رجل يأتي لزيارتنا؛ فقد كان يراها أجمل امرأة في العالم. كان يغار خاصة من عم إسماعيل (والد علي) الذي كان يأتي لزيارتنا لرؤية بنت خالته متأنقا، على شعره الناعم كريم يجعله يلمع ليجذب النساء إليه، في حين كان والدي بسيطا في لبسه بالجلباب ولا يضع فوق شعره أية مساحيق. وكان عم إسماعيل متكلما مبتسما في حين كان الوالد أقصر في الكلام، ولا يبتسم أو يضحك إلا عند الضرورة. والوالدة تريد أن تظهر قدرتها على الكلام، فتتبارى مع عم إسماعيل، ووالدي لا يستطيع أن يجاريها، فأحس بالغيرة، فقام وانتفض وصرخ في وجه أمي لأن الضيف ضيف وعم إسماعيل يهدئ فيه حتى تهبط نار الغيرة منه. وكانت عائلة عم إسماعيل كلها تحب النساء؛ علي، ورجب، وجمال. وهذا طبيعي. أما بالنسبة للوالد فهذا غير طبيعي؛ فالنساء كلهن في الوالدة. مع أن زوجة عم إسماعيل كانت بيضاء، وضاحكة بالرغم من قصرها وبدانتها. وكانت ابنتها خديجة، هيفاء، بيضاء، في غاية الجمال، أحببتها عن بعد، وحضرت يوم زفافها على ابن عمها الذي أخذها في الحجرة المجاورة وهي تصرخ، وقام بالواجب، وفي الخارج يطبلون ويزمرون. وعندما خرجت رأيت الألم على وجهها، وحزنت لها وعليها، على هذا الحبيب الذي انتهكت كرامته ، وعلى وجه الرجل علامات بؤس وشقاء لأنه لم يجد أي لذة أو سرور في ذلك.
أما الأخ فهو سيد الذي كان أستاذا للأدب العربي في جامعة القاهرة، وتلميذا لشوقي ضيف، تلميذ طه حسين، ثم وكيلا للكلية، ثم عميدا لآداب بني سويف، ورئيسا لقسم اللغة العربية، وبها كان إداريا ماهرا، يغلب مصلحة الطلاب على قوانين الإدارة. أما الأخت الكبرى فكانت مدرسة، بدأت التعيين في دشنا بمحافظة قنا، وكانت هذه أول مرة تبتعد فيها عن أفراد الأسرة، وكان والدي يذهب لزيارتها بين الحين والآخر بزيه العسكري، وله صور في آثار الأقصر. وبالرغم من قصر أختي الكبرى وسمنتها فقد جاءها خطيب من هناك، أحول العينين، طويل وأسمر، أكبر منها سنا، يسمونه «علي أفندي»، يعوج الطربوش بزره الأسود المتدلي، معجبا بنفسه كما هو الحال في الأفلام المصرية، وكانت الوالدة تقابله بالترحاب، وهو لا يتوانى في خدمة الأسرة ليبين مهارته الاجتماعية، يعرف فلانا وعلانا من علية القوم؛ فكان على صلة بالدولة وإدارتها حتى إنه جهز إجراءات دفن أخي الأصغر علي الذي مات وهو رضيع بنزلة معوية، وحملته جارتنا في البدروم على يديها وهي تتصنع البكاء، وذهبت معهما مصاحبة إلى المدافن لا أدري أيها، ولو عاش لكان لي أخان. وتقدم لخطبة أختي الكبرى، لا أدري رسميا أو غير رسمي، ورفضت أمي. كيف تفارق ابنتها الكبرى إلى الأبد وتعيش في الصعيد؟ وكانت الجارة التي لم تكن على وفاق دائم مع أمي، وكانت جميلة بيضاء، كلما تعاركت مع أمي بالكلام، كما هو الحال في العادات الشعبية، تقول لها: «يا بتوع علي أفندي.» وتقول لها أمي بعد أن أحست بالإهانة: «اخرسي، قطع لسانك من لغلوغه.» وكان زوجها طيلة النهار خارج المنزل، ولا يخرج إلا في الصباح الباكر. وفي يوم خرج والدي لشراء خبز فتقابل معه ويبدو أنهما تشاجرا بالكلام، وأحست والدتي بتأخر والدي، فخافت أن يكون قد اصطدم بخروج جارتها، وعاد والدي مكفهر الوجه، وسألته الوالدة: هل تقابلت معه؟ فقال لها: نعم، وتشاجرنا. فخرج الموضوع من أيدي النساء، ووقع في أيدي الرجال، ولكن بسلام. وفي يوم من الأيام وجدت الشرطة على باب المنزل ثم على باب الشقة المجاورة لي ويأخذ جارتنا مكبلة بالحديد. وكانت التهمة أنها خلعت بلاط الحمام، وعملت هوة تسمح بنزولها إلى مخزن البقالة وسرقة صفائح الجبن والزيت وأشولة الأرز، ففرحت. وكنا نعايرها بعد أن رجعت إلى المنزل، بأنها «حرامية»، وهي تعايرنا بأننا «بتوع علي أفندي».