تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوالد وهو من مواليد 1900م بسبب الخدمة العسكرية كان شاويشا بالجيش في فرقة البيادة (المشاة) للموسيقى العسكرية، لاعب ترومبون الأول، ثم رقي صول (شرف). وكان علي إسماعيل وهو قريب لنا من تلاميذه. وكان يرفض دعوات اللعب خارج الجيش احتراما لهيبته، وما كان يسود الأفراح من هزار وتدخين الممنوعات لا يليق. ورفض أن ينتقل إلى أي مكان آخر مثل السودان ليس فقط كي يترقى بل أساسا حفاظا على البقاء في القاهرة مع أسرته. كان يحب الجلوس على المقهى مع زملائه في الجيش ويشرب الشيشة حتى كبر أولاده، وظن أن ذلك عيب وهم على أبواب الجامعة. ولما قامت ثورة يوليو 1952م، أرادت إفساح المجال للشباب في الجيش، فأخرجته وحولته إلى وزارة الشئون الاجتماعية، كما انتقلت أنا إليها عندما أخرجنا الرئيس المغدور بقرار منه في سبتمبر 1981م خارج الجامعة مع الإعلاميين وعلى رأسهم هيكل وإبعاد البابا إلى دير في الصحراء؛ لأنهم كانوا يعارضون سياساته التي انقلب فيها على عبد الناصر، والتي بلغت قمتها في مقاومة مظاهرات يناير 1977م (انتفاضة الحرامية) بالقوة وزيارته إلى إسرائيل في نوفمبر من نفس العام، ثم اتفاقية كامب ديفيد في 1978م، ثم معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979م والذي أدى إلى اغتياله في أكتوبر 1981م. ثم أحيل إلى المعاش كموظف في الدولة 1960م ثم توفي 1980م، ومعاشه ستة جنيهات.

وبعد أن توفت خالتي، وكان أبي قد اشترى قبل أن يتوفى مقبرة بالبساتين كان هو أول من دفن فيها. كان أبي باستمرار يمازح خالتي ويخطف منها طبق الطعام وهي تمنعه من ذلك عن طريق البصق فيه، وتضحك عليه بأنها هي التي كسبت المعركة. وكانت والدتي ترجوه أن يتركها في هدوء «سيبها يا أبو السيد.» كانت تحبني وتعتبرني ابنها الوحيد؛ فقد حضرت ولادتي عندما أتت من بني سويف إلى القاهرة، وكنت أنا أقرب إخوتي لها، كانت تؤثرني بالمصروف المدرسي اليومي قرشا أو قرشين عليهم. وكنت أدافع عنها باستمرار إذا مسها أحد بسوء، وتحزن وتقول لوالدتي: «ياللي بيعتيني بيتي.» وأنها خسرت كل شيء بسببها وأولادها، ولم أكن أدري هل هذا مزاح أم جد. لقد كانت تحن إلى بيتها الأخير في بني سويف، وحجة والدتي أنه دخل في التنظيم؛ أي سيهد عن قريب؛ لأنه بارز في الشارع عن صف البيوت الأخرى. وبيت عصمت المقابل الذي يحدث اختناقا مع بيت خالتي، لا يهد لأنه أكثر جدة، وعصمت ذو شأن في المدينة، ولأول مرة أرى الحاج وهو يضع كفيه في دماء الضحية ويطبعها على الحائط كي يعرف الجميع أنه حاج وينادونه بلقب «حاج» في «الحاج عصمت»؛ لأن عصمت بمفردها أو عصمت أفندي لا تعطيه حقه.

وأصبحت مقبرة البساتين مدفن العائلة؛ بها أبي وأخي وزوج أختي فاطمة وأمي وخالتي وحماتي وأحد الأقرباء لأمي وأخيرا زوجة أخي، والموت ليس به ازدحام كالحياة، وربما أكون أنا أو أختي الأصغر مني أول زائريها. ومع ذلك فكرت أخت زوجتي في شراء مقبرة لهما بطريق السويس، لم يدفن بها أحد حتى الآن، وربما أكون أول زائريها، والأمر متروك لزوجتي الحبيبة؛ إما أن أدفن في مقبرة العائلة حيث بها أمها أو في المقبرة الجديدة لآل مرعي. الأولى طرقها غير أسفلتية وكلها مطبات، وتتسرب إليها مياه عين الصيرة بين الحين والآخر. والثانية طرقها أسفلتية، نظيفة، أعدها الجيش. الأولى داخل القاهرة، والثانية خارج القاهرة.

وكانت شقة العائلة بالعباسية التي توفي بها أبي وأمي وخالتي مطمع أختي لتزوج بها ابنها الأكبر الذي يسير بعصوين، فلم يعترض أحد نظرا لحالته الصحية، فتزوج بها وأنجب، ورعت زوجته والدتي في سنواتها الأخيرة، فكانت الشقة استحقاقا لها بالرغم من تساؤل جميع البنات.

كانت الأخت الكبيرة «طيبة»، «بنت حلال» أنجبت أربع بنات وولدين، يعشون من معاش من أمي. وكانت من بعدها أيضا طيبة وفي حالها، تزوجت وأنجبت ولدين وثلاث بنات. والثالثة كانت تعشق الدنيا، ثم بعد ذلك تدينت وقرأت القرآن، ومسكت بالمصحف، ولبست البياض، وغطت رأسها، تعظ الناس، تزوجت وأنجبت، ولها ثلاثة ذكور وأنثى واحدة شبيهة بأمها مثل أحد الذكور. والصغرى جمعت بين الطيبة وسلامة النية، وزادت الهبالة فتزوج عليها زوجها المتدين امرأة متدينة نصابة طمعت فيه، وأخيرا عاد إلى الحب الأول. وأولاده أربع إناث تزوجن وأحببن إلا واحدة، أصابتها عقدة نفسية لشدة الرقابة عليها من أبيها المتدين. كلهن الآن جدات لهن أحفاد، أطال الله في عمرهن. تفوق الذكور والإناث جميعا بين أستاذة جامعية ومحاسب ومهندس. وكانت أمي تسميها «من تشاركني في حياتي» باعتبارها ابنتها البكر.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٨