تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت طالب قسم امتياز، وهو القسم الذي يدخله الطلبة الحاصلون على جيد جدا أو أكثر في السنة الثانية، ويأخذون فيه مادة زائدة، ويكتبون بحثا، وكان لا يتجاوز عددهم طالبين، وأحيانا لا أحد. فإذا حافظ عليه الطالب بعد الحصول عليه في السنوات الثالثة والرابعة يعد الماجستير مباشرة دون سنة تمهيدية، ويكون مرشحا كي يكون معيدا بالقسم، وهو شيء مهيب كالضابط في الجيش أو الشرطة، وهو مثل أمين الشرطة اليوم.

وفي السنة الثالثة بدأت اليقظة الفلسفية مع عثمان أمين الذي كان يعشق الفلسفة ويعيشها، وكان يبتسم ويريد أن يوصل الفلسفة للطلاب بسهولة ويسر. كان حبيبه ديكارت، وترجم له «التأملات في الفلسفة الأولى»، وكان «مقال في المنهج» قد ترجم من قبل، وكذلك «مبادئ الفلسفة»، وكان يطيل في شرح النصوص، ويطبقها على الواقع العربي، وهو ما كان يسميه «بين قوسين»؛ أي خارج الموضوع، بينما هو في صلب الموضوع. وفي الفصل الدراسي الثاني كان يدرس كانط، ويطيل النظر، ويشرح ويضرب الأمثلة في معنى «الترنسندنتال» في مقابل «الترنسدنت». وهو ما سماه فيما بعد في فلسفته الخاصة «الجوانية» في مقابل «البرانية»، العقلي في مقابل الحسي، القلب في مقابل العقل، الباطن في مقابل الظاهر. كان يركز على «نقد العقل الخالص» لكانط وبدرجة أقل على «نقد العقل العملي» باعتبار أنه موضوع علم الأخلاق، ولا يذكر تقريبا. و«نقد ملكة الحكم» عن الحكم الغائي والحكم الجمالي باعتبار أن ذلك موضوع علم الجمال في السنة الرابعة. وبعض الدارسين يرجعني إلى الظاهريات أصلا ومرجعا خارجيا، مع أنه من الأسهل إرجاعي إلى الجوانية كإطار مرجعي داخلي. كانت كلماته تدخل في قلبي مباشرة، فتوقظه، وتزيد من حرارته، وهو أحد معاني «ذكريات» إهداء الكتاب. وما زالت ذكرياتي معه هي الذكريات، ليس فقط في المدرج الجامعي بل في ساحات الحسين حتى الفجر، ونحن نطلب منه أن يتصل بزوجته الفرنسية كي تطمئن عليه، وهو يقول: لو اتصلت بها لقلقت؛ فالأفضل ألا أتصل حتى تطمئن. ولا غرابة في أنها تركته وأخذت أولاده، وعادت إلى فرنسا، موطنها الأصلي، واعتنت به شقيقته، ولكن شتان بين الزوجة الأقرب إلى القلب والشقيقة الأقرب إلى العقل. وعندما كنت أزوره في الفيلا التي يقطن فيها في ميدان أعضاء هيئة التدريس بالدقي كنا نتسامر حتى الصباح. زوجته تعرف عادته فتنام وابنه، أما الشقيقة فكانت تذكره دائما بأن الوقت قد تأخر فيقول لي: «سيبك منها.» وعلمت بعد ذلك أنها كانت تريد السيطرة عليه عندما زرته عام 1960م أثناء زيارتي للقاهرة آتيا من باريس وأهديته «نقد العقل الجدلي» لجان بول سارتر الذي صدر حديثا. وبقيت ترجماته لتأملات ديكارت آية في الإبداع والجمال اللغوي. كان يعرف قدره، يجمع بين الفلسفة والحياة، بين علمه وذكرياته. كان يعظم محمد عبده أكثر من اللازم، وهو موضوع رسالته للدكتوراه في باريس، وأنا أنقده لأنه يعتبر أن العقل في حاجة إلى وصي وهو النبي كما يصرح بذلك في «رسالة التوحيد»، وكنت قد كتبت على السبورة مرة: «أحب محمد عبده ولكن حبي للحق أعظم.» وهي العبارة الشهيرة التي قالها أرسطو عن أستاذه أفلاطون. وكنت وما زلت أقرب إلى الأفغاني الثوري أستاذه والذي كان يمسك بتلابيبه ويقول له: «والله إنك لمثبط.» ومع ذلك كان بالنسبة لمشايخ الأزهر من يغرد خارج السرب.

وأخيرا أتى زكريا إبراهيم، وكان قد عاد من فرنسا عام 1955م مشبعا بروح الظاهريات والفلسفة الوجودية. ولما سألناه من الذي أثر فيه وهو في فرنسا كتب على السبورة السوداء: هيدجر، ياسبرز، مارسل. وكنت أسمع عن هوسرل والقصد المتبادل، وعندما يخرج أنظر من النافذة وأشعر بهذا الإيحاء المتبادل بيني وبين الطلبة في الفناء. سمعت عن التجربة المشتركة لأول مرة منه. وكان لا يقرأ من ورق أو يقرر كتابا مع أن له - فيما بعد - عدة مؤلفات عن مشكلات فلسفية مثل مشكلة الفلسفة، مشكلة الحب، بأسلوب سهل شعبي لدارسي ومحبي الفلسفة على السواء. أحبه الطلبة، وكان منزله في مصر الجديدة مفتوحا لهم جميعا. ولم ينس الفلسفة الإسلامية؛ فكتب عن البيروني وآخرين. وكان هو الفيلسوف بعد عثمان أمين، تمت إعارته إلى جامعة الخرطوم، فرع جامعة القاهرة وإلى الأردن حيث كتبت عنه عدة رسائل، وإلى المغرب مثل نجيب بلدي وحبيب الشاروني. لم يعش طويلا، ولو عاش لكان أثره في مصر والوطن العربي أكبر، وأشد وأعمق كما حدث معي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٢١