لقد كان الجو متوترا بين الإخوان والثورة على مدى سنتين منذ اندلاع الثورة. وحدث الانفجار في عام 1954م بمناسبة رفض الإخوان المعاهدة التي عقدها عبد الناصر مع بريطانيا بالانسحاب من قناة السويس ولكن لها الحق في العودة في حالة «الضرورة القصوى». وكان خوف القوى الوطنية من عبارة «الضرورة القصوى» التي يمكن أن يكون لها عشرات التفسيرات؛ فهو جلاء مشروط. كنت أوزع نقد المعاهدة في الجامعة، وفي مظاهرات كبرى خرجت من الجامعة إلى كوبري الجامعة وهي تهتف بسقوط اتفاقية الجلاء. ويهتف الطلبة السودانيون يسقط «صلاح الرجاص» ويقصدون صلاح سالم من أعضاء مجلس قيادة الثورة، والذي هو اسمه على طريق جديد يربط بين شمال القاهرة وجنوبها، والذي يعزى إليه فصل السودان عن مصر، وجنوب الوادي عن شماله كما فصل أخيرا جنوب السودان عن شماله. وسمي «رجاص»؛ لأنه لبس سودانيا، وركب حصانا يرقص على إيقاع الدفوف. وكان عبد الناصر وزيرا للداخلية في ذلك الوقت وعينه على السلطة فأمر بإطلاق النار على الطلبة المتظاهرين على كوبري الجامعة فتفرقوا وأعادوا التجمع في ميدان عابدين، وكان ذلك عام 1954م، وكنت في السنة الثانية. وشاركت في مظاهرات 1954م بعد أن كان عبد الناصر قد وقع مع بريطانيا اتفاقية الجلاء التي تخرج بريطانيا طبقا لها من قاعدة التل الكبير ومن منطقة القناة، وتجلي معسكرها الأحمر على ضفاف النيل مكان الجامعة العربية الحالي. ومع ذلك تسمح بالعودة إلى مصر في حالة «الضرورة القصوى»، خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف.
كنت فرحا بالجامعة ليس فقط بما يلقى في المحاضرات التي كان يغلب عليها الطابع المدرسي، ولكن أيضا بالنقاشات خارجها، على الحشائش في الحرم الجامعي، هايد بارك أخرى. وإذا كان فكري بارزا في المحاضرات فإنه يستحسن في مناقشات الحرم الجامعي. وظللت أفكر كيف تكون حديقة الأورمان ساحة يتناقش فيها الطلاب إن عز على الجامعة ذلك، كيف تكون «هايد بارك» القاهرة وكلها أراضي فاطمة إسماعيل بما فيها الجامعة وحديقة الحيوان؟
ومنذ ذلك الوقت فرض نظام الفصلين الدراسيين في العام ، ليس لأسباب علمية بل حتى ينشغل الطلبة في المذاكرة ولا يكون لديهم وقت للمظاهرات. ومع ذلك، ظلت عقلية الفصل الدراسي الواحد موجودة، نبدأ في أكتوبر، وتنتظم الدراسة في نوفمبر حتى مايو في السنة الثالثة باستثناء إجازة نصف السنة. في حين أن نظام الفصلين يقتضي أن تبدأ الدراسة في أوائل سبتمبر، وتتوقف عند عيد الميلاد ورأس السنة، ثم يبدأ الفصل الدراسي الثاني في يناير، وينتهي في يونيو، أربعة أشهر كل فصل دراسي على الأقل؛ أي ستة عشر أسبوعا، فأضر نظام الفصلين بالعلم، ولم يمنع المظاهرات؛ فالوطن أحيانا تكون له الأولوية على العلم، بدليل شهداء كوبري عباس، وكما يحدث الآن بتطبيق نظام الساعات المعتمدة أو اختيار الطالب بين الدروس الإجبارية والاختيارية؛ فيصبح هم الطالب تجميع درجات
A . ويكاد الاختياري لا يحضر فيه الطالب لأنه اختياري ولا الأستاذ؛ فكيف يقود سيارته من مدينة 6 أكتوبر حتى الجامعة لطالب أو طالبين وقد تعود على القاعة المملوءة ولو نسبيا لتوزيع كتابه. وفي الإجباري لا يتورع الأستاذ عن توزيع الكتاب المقرر. ويبقى الحال هكذا لمدة سنتين عليها 60٪ من درجة الماجستير أو الدكتوراه، ثم يكتب رسالة صغيرة عليها 40٪ معظمها معلومات منقولة من الإنترنت.
خرجت من السنة الأولى خاوي الوفاض، لم أتعلم شيئا. وفي السنة الثانية نظرا لغياب زكي نجيب محمود في أمريكا درس نيابة عنه مصطفى سويف المنطق. ولما كان أستاذا لعلم النفس وليس المنطق إلا أنه اختار موضوعا هزني لغويا وهو «المفاهيم العلمية وضرورة الدقة في استخدامها» مثل الفرق بين التقدم والتطور، وكان يرتجل. كان جادا عبوسا لدرجة أن أحدا لا يستطيع أن يمزح معه، وكان يمشي في الطرقات مستكبرا مع أنه لم يكن قد أخذ الدكتوراه بعد. وقد توفي منذ عامين، وحضر العزاء كثير من طلابه ومريديه. وهو الذي بنى أكاديمية الفنون، وقام باختبارات نفسية للقبول، وهو مؤسس علم النفس الاجتماعي. أما درس الفلسفة الإسلامية فكان يلقيه علينا - وهو جالس - أحمد فؤاد الأهواني، وهو درس تقليدي في الفلسفة الإسلامية، يركز على الفلسفة بالمعنى الدقيق، الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد. كان ضاحكا مبتسما اجتماعيا «ابن نكتة»، ولكنه لم يثر في ذهني أي مشكلات، ولا ربط بين الماضي والحاضر. كان قريبا لعيسى البابي الحلبي صاحب المكتبة الشهيرة بالأزهر، يمده بالنصوص التقليدية، وقريبا من الأب جورج قنواتي، وهو من نفس الروح، وهي روح يوسف كرم التي كتب بها «تاريخ الفلسفة اليونانية»، و«تاريخ الفلسفة في العصر الوسيط»، و«تاريخ الفلسفة الحديثة»، روح جيلسون؛ فالفلسفة عمل الفلاسفة، ولكل فيلسوف منهج، مع أن جيلسون قد تجاوز هذا المنهج بكتاب «روح الفلسفة في العصر الوسيط»، ولم تكن هناك فلسفة مسيحية أو يهودية، ولم تؤثر في أحد من أساتذة الفلسفة تأثيرا كبيرا، وهي نظرة استشراقية للفلسفة الإسلامية. كانت روحه أقرب إلى وزارة التربية والتعليم؛ فقد كانت رسالته للدكتوراه «التعليم عند القابسي» بين التعليم والتراث الإسلامي.