2) ولأن أخذه كما نزل يُثبت الفؤاد ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾ (32) سورة الفرقان.
3) ولأن أخذه متدرجاً يُوطِّن النفس على قبول ما يأتي بعد الآيات الأول من الشرائع والحلال والحرام، كما أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنه - قالت:
" إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس للإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع شرب الخمر، ولو نزل أول شيء: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا، وإنه أنزلت ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (46) القمر، بمكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإني جارية ألعب، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده".
وهذا الوصف منها - رضي الله عنه - لبيان أثر المنهج الذي تنزّل به القرآن من أعظم ما يكون خطراً على من خالفه ولم يلتفت إليه، فإن قولها - رضي الله عنه - (ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع شرب الخمر ... ) بيان لحال صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع نهي الله ورسوله، فالآمر هو الله والمبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمأمور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم بعد هذا ــ لو أن منهج التدرج في تنزّل القرآن خُولف ــ يكون الرد (لا ندع شرب الخمر، لا ندع الزنا).
فما بالك بجواب غيرهم من بقية الأمة حين يُقال لهم أولاً (لا تشربوا الخمر، لا تزنوا، لا تفعلوا كذا وكذا)؛ الجواب نراه عياناً بياناً في موقف الأمة من أوامر ربها وأوامر رسولها - صلى الله عليه وسلم -، ولاشك أن هذا ليس هو السبب الأوحد، لكنه سبب رئيس لابد من التفطن له.
فإن قائل قائل: فما المنهج الذي تعلّم وعلِّم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه القرآن؟
فالجواب: هو البدء بالمفصل أولاً.
وهو الذي ذكرته عائشة - رضي الله عنه - في الحديث السابق حين قالت: (إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار).