فبينما يعيش المرء في كنف والده؛يغذوه بالحنان؛ويمده بالعطف؛ويعلمه كيف يعيش في هذه الدنيا على خير حال،فإذا بالموت يخطفه؛وإذا به قد أقام تحت الجنادل وحيداً قد خلّف كل شيء وراءه ولم يأخذ معه إلا عمله؛وإذ بذلك الابن الذي كان لا يعرف الهم،حمل هم أسرة فقدت عائلها فراح يكابد عناء المعيشة0
وإذا بفراغ يخيم على قلبه كلما علم أنه فقد باباً من البر وطريقاً إلى الأجر؛ قال صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأَضع ذلك الباب أو احفظه"0
فقد كان يطمع أن يلج الجنة من خلال ذلك الباب؛براً وإحساناً فإذا به يفقده؛وكم هي حسرة إنْ لم يكن قد أحسن معاشرة أبيه في حياته!0
وآخرون افتقدوا نبع الحنان الذي لا ينضب؛من والدة كانت ترعى الصغير حتى كبر؛ وتأمل أن يكون لها متكئاً عند النوائب؛تعلمه الوصل بإخوانه؛والرحمة بأخواته؛تسهر لينام؛ وتتعب ليرتاح؛ لا تسأم ولا تمل0
وفجأة!! فإذا بها تودع الدنيا، مخلّفة قلوباً كسيرة،وأكباداً متصدعة؛ لا يُعلم على أي حال يكونون!0
فإذا بالولد يحتاج إلى مستند،وإذا بالبنت يُخاف عليها الضيعة إن لم تجد أباً أو أخا قوياً ناصحاً؛وإذا بالأبناء قد افتقدوا سلماً إلى الجنة وجسراً موصلاً إليها0
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك ؛ فقال: هل لك من أم؟؛ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها"0
وحق على من علم أن برها كنز موصل إلى الجنة ، أن يحزن على خسران ما يرجوه من البر والخير والعمل الصالح، وأن يكون هذا دافعاً لحسن صحبتها في الدنيا..
وأمك كم باتت بثقلك تشتكي
تواصل مما شقها البؤس والغمّا
وفي الوضع كم عانت وحين فطامها
منيبا يشق الجلد واللحم والعظما
وكم سهرت وجداً عليك جفونها
وأكبادها لهفاً بجمر الأسى تحمى
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها
حنوّاً وإشفاقاً وأكثرت الضمّا