تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا مضى هؤلاء في تفسير أيّة حركة نهضوية من خلال تلك النظرية، فعندما يريدون تفسير ظاهرة النهضة الشيوعية ومن ثم انحطاطها، فإنهم يعزون تلك النهضة إلى غياب التأثير الديني عن الحياة في المجتمع الشيوعي - ولاسيما أن الشيوعية تقوم على الإلحاد وتقول إن الدين أفيون الشعوب - وبالتالي إلى ارتباط الشعوب الشيوعية بالمادة والواقع والحياة. أما الانحطاط السريع لتلك "الحضارة"، فمرده في رأيهم ليس إلى الإلحاد وغياب الدين، وإنما لانعدام الحرية. فالحرية التي يستهدفها الإنسان بانعتاقه من الخضوع لرجال الدين والعبودية للغيب، سلبه إياها النظام الشيوعي حين حوله عن الخضوع لرجال الدين والعبودية للغيب، إلى الخضوع والعبودية للدولة والحزب الحاكم، وينظرون إلى الشعوب المنتفضة على الشيوعية اليوم من زاوية أنها تريد الانعتاق من العبودية للدولة من أجل أن تمارس حريتها ولتلحق بركب الحضارة الغربية اللبرالية. يقول اللبرالي المتطرف فرانسيس فوكوياما:" كلما اقتربت الإنسانية من نهاية الألف الثاني فإنه يلاحظ أن الأزمتين المزدوجتين التسلطية والاشتراكية، لم تتركا في ساحة المعركة إلا إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي: هي الديمقراطية اللبرالية، عقيدة الحرية الفردية والسيادة الشعبية"(1).

هذه هي خلاصة المفهوم الغربي المعاصر عن حركتي الانحطاط والنهضة في التاريخ. ولن نستعجل كثيراً لنتوسع في نقد هذه النظرية. فإنه يكفينا أن نضع تلك النظرية على المحكّ بأن نعرض عليها نموذجاً واحداً من نماذج النهضات التي عرفها التاريخ، فنرى إن كانت تنطبق عليه أم لا. فمن شأن فلسفة النهضة، أو بعبارة أخرى "تعريف النهضة" إن كان صحيحاً، أن ينطبق على كل نهضة. فالتعريف يجب أن يكون جامعاً مانعاً، ولاسيما أن أصحاب تلك النظرية طرحوها على أنها قاعدة مستمرة.

(1) - فرانسيس فوكوياما - نهاية التاريخ والإنسان الأخير - ص 68.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ٢٤