تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيراً جاءت الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789، وأقصت الكنيسة نهائياً عن المجتمع والدولة والسياسة. يقول ول ديورانت: "لقد كانت معظم الثورات السابقة إما على الدولة وإما على الكنيسة، وندر أن نشبت ضدهما معاً في وقت واحد (...) أما الثورة الفرنسية فإنها هاجمت الملكية والكنيسة جميعاً، واضطلعت بمهمة ومخاطرة مزدوجة هي مهمة الإطاحة بالركيزتين الدينية والدنيوية للنظام الاجتماعي القائم"(1).

وهكذا يَعُدّ المعاصرون من المفكرين والمؤرخين الغربيين تلك الأوضاع دليلاً حياً على نظريتهم، حيث تناسب مقدار الرقي المتعاظم شيئاً فشيئاً في أوربا مع مقدار انحسار نفوذ الكنيسة عن المجتمع، وبالتالي انحسار الدين والتدين عن الحياة العامة. ثم وجدوا في الثورة الفرنسية التي افتتحت تاريخهم المعاصر البرهان الأكبر على نظريتهم حيث أقصيت الكنيسة عن واقع المجتمع وقُضي على نظرية التفويض الإلهي، وأطلقت الحريات العامة في المجتمع، فاستكملت حركة النهضة الأوربية مسيرتها وبدأت تؤتي أكلها وتثمر ثمارها التي يفتخر بها الغربيون إلى اليوم.

إن هذه النظرية التاريخية الحضارية لدى المفكرين الغربيين هي التي كانت وراء ظهور العقيدة العقلية التي اعتنقها الغرب منذ بداية التاريخ المعاصر وجعلها قاعدة لأفكاره، وقيادة فكرية لمجتمعه، ألا وهي عقيدة "فصل الدين عن الحياة".

(1) - ول ديورانت - قصة الحضارة - ج42 - ص 397.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ٢٣