إلا أن ذلك الدين الذي تكفل الله تعالى بحفظه لم يفقد ثلة من المؤمنين المخلصين الذين بقوا على تمسكهم بالإسلام ديناً ونظاماً للحياة، ولم ينجرفوا مع تيارات العلمانية والإلحاد. فجاء دورهم ليصبحوا رواد الساحة الفكرية والثقافية حين سقطت كل الطروحات والشعارات الوافدة إلى العالم الإسلامي من الغرب أو من الشرق. فقد تضافرت جهودهم مع الأوضاع والظروف السياسية المستجدة لتدفع الأمة الإسلامية منذ السبعينيات من هذا القرن نحو التمسك من جديد بالإسلام ديناً ونظاماً للحياة والمجتمع والدولة ولترفض كل التوجهات والأفكار والطروحات المعادية للإسلام والمخالفة له.
إذن، إن أهم عامل في تحويل الأمة من جديد باتجاه الإسلام كان وجود دعاة من المسلمين بقوا يجذفون بعكس التيار الجارف حتى تحول التيار على نحو مواتٍ لهم إلى حد بعيد. إلا أن هذا التحول على ما فيه من بشائر الخير والفرج، عاد ليحمل معه الخطر المدمر الذي حاق بالأمة منذ أن بدأت الحضارة الغربية بغزوها، ألا وهو اختلاط الإسلام بما ليس إسلاماً. فإن المسلمين حين بدأوا يتحولون نحو الإسلام بوصفه الحل والخلاص من الأوضاع المتردية التي يعانون منها، لم يتخلصوا من تأثير الحضارة الغربية وثقافتها وأنظمتها. كما أن الأوضاع والأجواء التي فرضتها الأنظمة الحاكمة عليهم منذ عشرات السنين ضربت حول أذهان المسلمين جداراً سميكاً يحول بينهم وبين رؤية النظام الإسلامي وطراز عيشه ومجتمعه رؤية حقيقية واضحة ونقية. فلم يعودوا يستطيعون تصور شكل نظام الإسلام ونمط المجتمع الإسلامي بمعزل عن الأنظمة القائمة بما فيها من مؤسسات وما أفرزته من علاقات.