تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أن ذلك الحرص على التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية أخذ يتلاشى بعد زوال سلطان الإسلام وهدم الخلافة الإسلامية، وخضوع البلاد الإسلامية في القرن العشرين لحكومات تحكم بغير ما أنزل الله، وتقيم المؤسسات الإعلامية والتعليمية التي تروج للحضارة الغربية بوصفها غاية ما وصلت إليه البشرية حتى الآن من تطور وتقدم ورقي، وعلى أن نظامها هو النظام الإنساني الصالح لهذا العصر. مما أدى إلى قناعةٍ مفادها أن نظام الإسلام ومعالجاته وأحكامه لم تعد صالحة لزماننا هذا. فأعرض معظم المثقفين عن محاولات التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، وحملوا أفكاراً تتعارض بكل وضوح وصراحة مع الإسلام، فأصبحت فكرة فصل الدين عن الدولة رأياً عاماً، وأصبح التحاكم إلى الأنظمة الوضعية أمراً طبيعياً، وأصبح الانسياق وراء سياسات المستعمر وشعاراته شيئاً لا غضاضة فيه. والرابطة القومية ثم الوطنية حلت محل رابطة الإسلام. وانتشرت شعارات مناوئة للإسلام ونظامه ووجهة نظره، مثل شعار " دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر" وشعار "الدين لله والوطن للجميع" وشعار "الإسلام أطهر من تلويثه بالسياسة". وحين ظهر عداء الدول الغربية الرأسمالية وطمعها ببلاد المسلمين اتجه كثير من المثقفين نحو الاشتراكية وفلسفتها ونظامها، حتى وصل كثير من الأفراد إلى التشدق بالإلحاد والافتخار باعتناق الديالكتيكية المادية. فلم يعد الإسلام السياسي والحضاري محل بحث، اللهم إلا تراثاً تاريخياً، ولم يعد المثقفون يكترثون إلى مدى موافقة أفكارهم للإسلام أو مخالفتها له. فالإسلام لا شأن له في نظرهم بالحياة والمجتمع والدولة والسياسة، وإنما هو علاقة بين الإنسان وخالقه فقط، ومجاله المسجد والبيت، لا الحياة والمجتمع ولا السياسة.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ١٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ١٦١