ثم كانت أوضاع المجتمع الرأسمالي بعد ذلك، حيث معاناة العمال والموظفين من ظلم الرأسماليين ملاك المصانع والشركات والمؤسسات الخاصة وعسفهم، وحيث تركّزُ رؤوس الأموال في يد فئة قليلة من البرجوازيين، بينما لا تجد الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع إلا ما لا يكاد يسد الرمق. كل هذه الأوضاع أنتجت رد فعل عكسياً لدى المفكرين وأصحاب النظريات الاقتصادية، تجلى في النظريات الاشتراكية التي تنزع نحو توزيع الثروة الأهلية على نحو أكثر "إنصافاً" مما هو عليه في المجتمع الرأسمالي. وكان من أهم تلك النظريات وأكثرها تماسكاً الاشتراكية الماركسية، التي حاولت الثورة البلشفية تطبيقها على أرض الواقع داخل ما عرف بالاتحاد السوفياتي.
أما إذا أخذنا مثال الحضارة الإسلامية التي انتشرت مع بداية العصور الوسطى، فإننا سنجد ذلك الكلام لا ينطبق عليها. ذلك أن الناظر إلى بداية نشوئها لا يجد فيها أي تأثر أو أي ارتباط بالحضارات السابقة لها أو المعاصرة، لا تأثراً إيجابياً ولا تأثراً سلبياً، ذلك أن الإسلام أوجد نمطاً من العيش مختلفاً كل الاختلاف عن كل أنماط العيش السابقة له والمعاصرة، وأحدث انقلاباً جذرياً في المجتمع بحيث لم يترك ناحية من نواحيه إلا وطالها وأحدث فيها التغيير من أساسها، انطلاقاً من الجزيرة العربية التي اعتادت نمط عيش الجاهلية لعدة قرون خلت ومروراً وانتهاء بالبلاد المجاورة والمحيطة والبعيدة التي سادتها الحضارات الرومانية والفارسية وغيرها.