تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الطبيعي أن يتأثر المفكر أو المبدع بالأفكار التي تحيط به والأوضاع التي يعيش فيها والظروف التي تلابسه وهو يفكر، فيخرج بأفكار ونظريات هي إما من جنس الأفكار التي تحيط به، وإما رد فعل عكسي إزاءها، وفي كلا الحالين هو متأثر بها. وهذا ما يفسر لنا ظاهرة تأثر الحضارات بعضها ببعض. فإن تلك الحضارات - كما سبق القول- هي مجموع ما لدى شعب ما من المفاهيم عن الحياة، أي مجموع الأفكار التي اعتنقها، وتلك الأفكار هي نتاج تلك العقول والأذهان التي يتأثر بعضها ببعض ويأخذ بعضها عن البعض الآخر، وتبدع أفكاراً جديدة يتميز بها البعض عن البعض الآخر.

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نفسر ما يتكلم عنه المؤرخون والباحثون من تأثر الحضارتين الأشورية والبابلية وغيرهما بالحضارة السومرية مثلاً، أو تأثر الحضارة الرومانية بالحضارة اليونانية السابقة لها - بل هي كما يقولون امتداد لها- أو تأثر الحضارة اليونانية بحضارات مصر والشرق الأدنى القديم...

وعلى هذا الأساس أيضاً، نستطيع أن نفهم طبيعة العلاقة بين حضارة أوربّا في العصور الوسطى والحضارة الغربية المعاصرة "اللبرالية"، وأيضاً العلاقة بين تلك الأخيرة و"المشروع الحضاري" الشيوعي. ففي هاتين الحالتين كان التأثر سلبياً، بمعنى أنه كان عكسياً.

فإن تحكم الكنيسة وتسلط الملوك باسم التفويض الإلهي، واستفحال الظلم في ظل النظام الإقطاعي، حيث السيد والعبد، أو الإقطاعي والفلاح، ومساورة الأجواء الروحية والتدين لأوضاع الانحطاط والتخلف خلال العصور الوسطى، كل ذلك أنتج رد فعل عكسياً، تجلى في فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة، وفي فكرة الديمقراطية وفكرة الحريات العامة من حرية شخصية وحرية تملك وحرية اعتقاد وحرية رأي، لدى المفكرين اللبراليين.

أسس النهضة الراشدة · الصفحة ١١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أسس النهضة الراشدةص ١١١