فيه، ثم يقول: «وكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقا من الذين تبدوا وعاشروا المسلمين (1)، وتبلدوا من: البلد، ويقصد بالبلد بلد المسلمين، وئبلدوا: أصبحوا كالمسلمين في بلادهم. وذكر أن أحد الفرنج قاده إلى صورة للسيدة العذراء، و المسيح عليه السلام صغير في حجرها فقال: «هذا الله صغيره (2)، ثم ذكر ما هو معروف عن الإفرنج حتى اليوم وهو أنهم ليس لديهم غيرة جنسية وليس لديهم شيء من التخوة والغيرة فيترك الرجل امرأته مع غيره على انفراد (3)، وذكر أن إفرنجي وجد رجلا غريبا في فراشه مع امرأته فقال: اوحق ديني إن عدت فعلت كذا تخاصمت أنا وأنت، فكان هذا مبلغ تكبيره ومبلغ غيرته (4).
وختم أسامة فصله فقال: «ومن الإفرنج قوم قد تبدوا وعاشروا المسلمين، فهم أصلح من القريبي العهد ببلادهم. فمن ذلك أنني مضيت مع صديق لي إلى دار فارس من فرسان الإفرنج العتق (القدامي) الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج (يقصد مضى عليه مدة طويلة من الزمن بين المسلمين)، وقد اعتفي من الديوان و الخدمة (تقاعد) وله بأنطاكية منك يعيش منه، فأحضر مائدة حسنة وطعاما في غاية النظافة والجودة. ورآني متوقفة عن الأكل فقال: كل طيب النفس، فأنا ما أكل من طعام الإفرنج، ولي طباخات مصريات ما أكل إلا من طبيخه، ولا يدخل داري لحم خنزير، فأكلت وأنا محترز وانصرفناء.
وسبحان مقلب الأحوال، فقد كان الذي يسكن المشرق من الإفرنج يتطبع بطبائع المسلمين ويتخذ أسلوبهم الحياتي ويعتبر متميزا على أبناء قومه، و يقلد المسلمين في كل شيء حتى في التخلي عن أكل لحم الخنزير.
وكل أسلوب أسامة وتعبيره في وصف أخلاق الإفرنج وطبائعهم وأساليب غيره من المسلمين، تدل على الاعتزاز بالعرب والمسلمين والشعور بتقوقهم
(1) الاعتبار (139) - (2). الأعنبار (130) - (3) - الاعتبار (135) - (4). الاعتبار (139)