ولكنني لاحظت أن الجهاد بمعناه الصحيح: القتال لإعلاء كلمة الله، لا للمال، ولا للسمعة، ولا لأسباب سياسية، ولا لأمجاد شخصية، ولا لمغنم من المغانم المادية والمعنوية، بل للدفاع عن الإسلام، والدفاع عن أرضه وأعراض المسلمين، ولتكون كلمة الله هي العليا، هذا الجهاد غائب عن العرب والمسلمين غيابا كاملا، كما أن لفظ: الجهاد أصبح غائبا أيضا، وحلت مكانه کليات أخرى: الكفاح، النضال ... وأشباه هذه الكليات.
وكنت أفكر في كتابة هذه الكلمات لأقول: حرم المسلمون والعرب من النصر الحقيقي، لا من النصر الورقي الذي يكتب كلمات على الورق ولا يصدقها حتي کاتبها و يشمئز منها القراء، ولا من النصر الكلامي الذي يدبجه الخطيب أو المتكلم في مكان من الأمكنة أو في الإذاعتين المسموعة والمرئية، فرب کليات تلعن قائلها، النصر الحقيقي في معركة من المعارك تجلي فيها العدو الصهيوني بالسلاح والشهداء عن القدس وعن الأرض المحتلة، أو ننتصر فيها لإخواننا المسلمين المضطهدين في جميع أركان الأرض: في الفليبين، في أريتريا، في بورما ... هذا النصر الذي يبقى على الدهر، و يسجله التاريخ، و يمجد فائده، و يخلد شهداءه، ويثني على رجاله، وهو النصر الذي يرضاه الله و يأمر به، و إلا فهل رأيت نصرأ ورقية أو نصرة كلامية، سجله التاريخ ومجد قائده وخلد شهداءه وأثنى على رجاله، لأنه كذب لا قائد له غير الشيطان ولا شهداء فيه ولا رجال.
بل إن النصر الورقي والكلامي مخدر للأمة، يلهيها عما هي فيه من ذل وخنوع وعار، وكل الأمم حين غلب في الحرب و يستولي على أجزاء من بلادها، تحشد كل طاقاتها المادية والمعنوية لكي تجعل من هزيمتها نصرا في المستقبل، وهذا يتم بدراسة أسباب الهزيمة وإصلاح الأخطاء و إكمال النواقص، ولا أعرف أمة من الأمم قديما وحديثا في كل أدوار التاريخ، هزم في الحرب ثم تدعي بأنها انتصرت، وترفض الهزيمة و رقا وكلاما، ثم تسكت عن العدو الجاثم على قلبها، وتغازله وتناغيه في بعض الأوقات، ولا تصنع