ويَكونُ مَعنى الآيَةِ هُنا: مَنْ يَعمَلْ سُوءًا يُجْزَ بهِ إنْ عاجِلاً أو آجِلاً، فأمَّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنَّار، وأمَّا المؤمِنُ فيُجازَى في الدُّنيا غالِبًا، بما يُصيبُهُ مِنْ مرَضٍ وحُزنٍ وضِيقٍ وغَيرِه، فمَنْ بَقيَ لهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فهو في المَشيئة، يَغفِرُ اللهُ لمَنْ يَشاء، ويُجازي مَنْ يَشاء.
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: 124]
124 - ومَنْ يَعملِ الأعمالَ الصالحةَ مِنْ عِباده، ذُكوراً أو إناثاً، معَ الإيمانِ الصَّحيح، فأولئكَ يَدخُلونَ الجنَّةَ جزاءَ أعمالِهم، ولا يُنقَصُونَ شَيئاً مِنْ ثوابِها، ولو كانَ شَيئاً قليلاً جدّاً، حتَّى لو كان مثلَ الخيطِ الذي في شِقِّ النَّواة.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]
125 - وليسَ هناكَ أحسنُ وأحكمُ منَ المسلمِ الذي أخلصَ العملَ لربِّه، فلمْ يَعرِفْ سِواهُ ربًّا، ولم يَبتَغِ بعملهِ سِوَى وجهِه، وهوَ مُحسِن، يَعملُ الحسَنات، فيأتي بالأعمالِ الصَّالحةِ على هَدْي منَ الدِّين، وبإخلاص، وهما ميزانُ قَبولِ الأعمال، مُتَّبِعاً بذلكَ مِلَّةَ أبيهِ إبراهيم، الموافِقَةِ لدينِ الإسلام، المتَّفَقِ على صِحَّتها، ومُتَّبعو مِلَّتهِ همْ أمَّةُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقدِ اتَّخذَ اللهُ إبراهيمَ خَليلاً، والخُلَّةُ أرفَعُ مَقاماتِ المَحَبَّة، وما ذاكَ إلاّ لكثرةِ طاعتهِ لربِّه، وتَنفيذِ جميعِ ما أُمِرَ به، فلم يَشْغَلْهُ شيءٌ عنِ استجابةِ نداءِ ربِّه، صَغيراً كانَ أو كبيراً، حتَّى صارَ إماماً يُقتدَى به، وتَوصَّلَ إلى غايةِ ما يَتَقرَّبُ بهِ العباد.
﴿وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ [النساء: 126]
126 - وجميعُ ما في السَّماواتِ والأرضِ مُلْكُ اللهِ وعَبيدُه، وهوَ حاكمُهمْ ومُدَبِّرُ أمرِهم، وعِلمُهُ مُحيطٌ بكلِّ شَيء، لا يَخفَى عليه شَيءٌ مِنْ ذلكَ مهما دَقَّ وصَغُر.