تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس خاصاً بصيام النذر كما ذكره بعض العلماء، لأنه جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر رمضان. أفأصوم عنها؟ قال: " أرأيتك لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيته؟ أقضوا الله فالله أحق بالوفاء " [رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وقال الأرنؤوط وفريق التحقيق: أن لفظ: شهر رمضان خطأ والصواب، لفظ: صوم شهر].

وسأله رجل قال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: " أرأيت لو كان على أمك دين أكنتَ قاضيه؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " [روى مسلم نحو هذا الحديث 8/ 214].

مما سبق يتبين لنا أن المريض إذا أفطر في رمضان لعذر المرض ثم شُفي بعد رمضان وتكاسل عن القضاء حتى مات فإنه يُشرع لأوليائه وأقربائه أن يقضوا عنه، ولو وزعوا الأيام على بعضهم بحيث يحصل كل واحد منهم على يوم واحد أو أكثر جاز ذلك حتى يتموا ما على ميتهم من صيام، وإن عجزوا عن الصيام عدلوا إلى الإطعام ويمكن لهم أن يطعموا عن بعض الأيام ويصومون عن بعضها والأفضل في ذلك الصيام عن الميت لأنه هو الذي جاءت به الأدلة الصحيحة والصريحة.

أما كفارة الجماع والظهار والقتل فلا يجوز تقسيمها على جماعة، وإنما يصومها شخص واحد متتابعة كما شرع الله ذلك كما قال الله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [سورة النساء 92].

ولا يكون الصوم إلاّ بعد العجز عن عتق الرقبة المؤمنة.

وبهذا يتبين الخلاف والفرق بين صوم كفارة القضاء في رمضان وغيرها من الكفارات المتتابعات.

خلاصة القول في المريض:

كل مرض خرج به الإنسان عن حدّ الصحة يجوز أن يُفطر به، والأصل في ذلك قول الله تعالى (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). أما الشيء الخفيف كالسعال والصداع فلا يجوز الفطر بسببه.

وإذا ثبت بالطب أو علم الشخص من عادته وتجربته أو غلب على ظنّه أن الصيام يجلب له المرض أو يزيده أو يؤخر البرء يجوز له أن يُفطر بل يُكره له الصيام. وإذا كان المرض مطبقا فلا يجب على المريض أن ينوي الصوم بالليل ولو كان يُحتمل أن يُصبح صحيحا لأن العبرة بالحال الحاضرة.

1 - إن كان الصوم يسبب له الإغماء أفطر وقضى الفتاوى 25/ 217، وإذا أغمي عليه أثناء النهار ثم أفاق قبل الغروب أو بعده فصيامه صحيح ما دام أصبح صائما، وإذا طرأ عليه الإغماء من الفجر إلى المغرب فالجمهور على عدم صحة صومه. أما قضاء المغمى عليه فهو واجب عند جمهور العلماء مهما طالت مدة الإغماء [المغني مع الشرح الكبير 1/ 412، 3/ 32، والموسوعة الفقهية الكويتية 5/ 268]، وأفتى بعض أهل العلم بأن من أغمي عليه أو وضعوا له منوّما أو مخدرا لمصلحته فغاب عن الوعي فإن كان ثلاثة أيام فأقلّ يقضي قياسا على النائم وإن كان أكثر لا يقضي قياسا على المجنون [من فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز مشافهة].

2 - ومن أرهقه جوع مفرط أو عطش شديد فخاف على نفسه الهلاك أو ذهاب بعض الحواسّ بغلبة الظن لا الوهم أفطر وقضى لأن حفظ النفس واجب، ولا يجوز الفطر لمجرد الشدة المحتملة أو التعب أو خوف المرض متوهما، وأصحاب المهن الشاقة لا يجوز لهم الفطر وعليهم نية الصيام بالليل، فإن كان يضرهم ترك الصنعة وخشوا على أنفسهم التلف أثناء النهار، أو لحق بهم مشقة عظيمة اضطرتهم إلى الإفطار فإنهم يُفطرون بما يدفع المشقة ثمّ يُمسكون إلى الغروب ويقضون بعد ذلك، وعلى العامل في المهن الشّاقة كأفران صهر المعادن وغيرها إذا كان لا يستطيع تحمّل الصيام أن يحاول جعل عمله بالليل أو يأخذ إجازة أثناء شهر رمضان ولو بدون مرتّب فإن لم يتيسّر ذلك بحث عن عمل آخر يُمكنه فيه الجمع بين الواجبين الديني والدنيوي ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " [فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 233،235]. وليست امتحانات الطلاب عذرا يبيح الفطر في رمضان، ولا تجوز طاعة الوالدين في الإفطار لأجل الامتحان لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " [فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 241].

3 - المريض الذي يُرجى بُرؤه ينتظر الشفاء ثم يقضي ولا يُجزئه الإطعام، والمريض مرضا مزمنا لا يُرجى برؤه وكذا الكبير العاجز يُطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع من قوت البلد (وذلك يعادل كيلو ونصف تقريبا من الرز)، ويجوز أن يجمع الفدية فيطعم المساكين في آخر الشهر ويجوز أن يطعم مسكينا كلّ يوم، ويجب إخراجها طعاما لنصّ الآية ولا يُجزئ إعطاؤها إلى المسكين نقوداً. [فتاوى اللجنة الدائمة 10/ 198]، ويُمكن أن يوكّل ثقة أو جهة خيرية موثوقة لشراء الطعام وتوزيعه نيابة عنه.

الصيام أدلة وأحكام · الصفحة ٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصيام أدلة وأحكامص ٨٩