وهناك دليل آخر يدل على وجوب الفطر للصائم أو سنيته حال الضرر، فقد صلى عمرو بن العاص رضي الله عنه بأصحابه وعليه جنابة، لأنه خاف البرد فتيمم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " صليت بأصحابك وأنت جُنُب؟ قال: يا رسول الله تذكرت قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، وإني خفت البرد، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك " [رواه البخاري تعليقاً ووصله أبو داود والحاكم وقوى إسناده ابن حجر].
المقصود إذا كان المرض شديداً أو مضراً والصوم يزيد في ذلك المرض وجب الفطر وحرم الصوم.
وهنا ترد مسألة مهمة: وهي ما إذا صام المريض الذي يشق عليه الصوم حال مرضه ويضره ذلك فهل يصح صومه أم لا؟
قال ابن حزم رحمه الله: " أنه لا يجزئه الصوم لأن الله تعالى جعل للمريض عدة من أيا أُخر، لأنه لو صام في مرضه فهو قادر كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان فلا يجزئه ويجب عليه القضاء ". [المحلى]
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: " فإذا قلنا بالتحريم _ أي تحريم صوم المريض الذي يشق عليه _ فإن مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه، لأن صوم ما نُهي عنه لا يحل ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين والمرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله عز وجل، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم ".
والصحيح أن من صام مع شدة المرض فصومه صحيح تبرأ به الذمة، لكنه ناقص مع الإثم فالأولى للمريض الذي يشق عليه المرض أو يتضرر به أن يتقي الله تعالى في نفسه ويقبل رخصه ربه سبحانه ويفطر امتثالاً لأمر الله عز وجل وعليه القضاء فيما إذا شفاه الله، لأنه أفطر بأمر من الله تعالى، ولو قدر أنه مات حال مرضه أو بعد مرضه ولم يقض بدون تفريط فإنه لا يلزم أهله القضاء عنه لأن فطره موافقاً لكلام الله تعالى، وعدم القضاء بعذر.
أقسام المرض من حيث الفطر:
ينقسم المرض من حيث الفطر والقضاء والإطعام إلى قسمين:
القسم الأول:
مرض يُرجى برؤه وهذا القسم له الفطر والقضاء بعد زوال العارض.
القسم الثاني:
مرض لا يرجى برؤه: وهذا القسم إذا عُلم من طبيب ماهر حاذق أنه لا يمكن علاج هذا المرض إلاّ بقدرة الله تعالى كالسرطان ومرض الكلى ومرض السكر والقلب وما شابه ذلك من الأمراض المستعصية جاز للمريض والحالة هذه الفطر والإطعام عن كل يوم مسكيناً، ولا يلزمه القضاء إلاّ إذا شفي بإذن الله تعالى في ذلك البلاء ولم يطعم، فعليه القضاء والله تعالى أعلم.
مقدار الإطعام:
يطعم المريض ومن كان عليه إطعام نصف صاع لكل مسكين، عن كل يوم أفطره ومقداره بالكيلو كيلو ونصف من قوت البلد المعروف كالأرز والحنطة والشعير والبر والتمر.
وقت الإطعام:
يجوز للمريض أن يطعم المساكين في أول الشهر وفي أوسطه وفي آخره، أو بعد شهر رمضان إن شاء جمعهم وغداهم أو عشاهم، فإن كان مرتبه لا يفي بإطعامهم جميعهم فرقهم على عدة أيام حتى يتم الإطعام بعدد الأيام.
قال بعض العلماء أنه إذا قدم الإطعام في أول الشهر فإنه لا يجزئه ذلك، والصحيح أنه مجزئ لأنه لا وجه في عدم الإجزاء فإن مات المريض قبل أن يتم الشهر فما بقي من الإطعام فهو صدقة، له أجرها بإذن الله وإن بقي حتى أتم الشهر فما قدمه من الإطعام فهو لنفع المساكين والمحتاجين والذين قد يحتاجون لما يسدون به جوعهم خصوصاً عند بدء الشهر والله تعالى أعلم. لكن لو قيل أن ذلك لا ينبغي حتى يعرف كم من الأيام سيفطر ثم يطعم عنها جميعاً في آخر الشهر كما فعل أنس بن مالك، أو أن يطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً لكان أولى من القول بعدم الإجزاء.
عدد المساكين الذين يُطعَمون من الكفارة:
قال بعض العلماء أنه لا بد أن تُدفع الكفارة بعدد الأيام أي أنه إذا أفطر لعذر عشرة أيام مثلاً فإنه يطعم عشرة مساكين، وكذلك كفارة الجماع في رمضان قالوا: يجب إطعام ستين مسكيناً، والصحيح أن هذا القول مرجوح بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان عندما جاءته الصدقة، فلم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد أهله عندما قال له: " أطعمه أهلك "، فدل ذلك على جواز إطعام المساكين بعدد الأيام أو أقل، فللمطعم أن يطعم كفارته مسكيناً واحداً أو أكثر، لكن لا شك أن إطعام المساكين بعدد الأيام أفضل والله تعالى أعلم.
تفريط المريض في القضاء:
إن فرط المريض في القضاء حتى مات، فإنه يُشرع لأوليائه وأقربائه أن يقضوا عنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من مات وعليه صيام صام عنه وليّه " [متفق عليه].
وهذا الحديث عام في رمضان وفي النذر وفي غيرهما.