والعرب كانت تستقسم بالأزلام فتأخذ حظها ونصيبها وقدرها منها، وتستقسموا بالأزلام معناها " أن تطلبوا علم ما قُسِم لكم أو لم يُقسم بالأزلام، وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو نحو ذلك، أجال القداح، وهي الأزلام، وكانت قداحاً مكتوباً على بعضها: " نهاني ربي "، وعلى بعضها: " أمرني ربي "، فإن خرج القدح الذي هو مكتوب عليه: أمرني ربي، مضى لما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك؛ وإن خرج الذي عليه مكتوب: نهاني ربي، كف عن المضي لذلك وأمسك، فقيل: وأن تستقسموا بالأزلام، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يقسمن لهم " (1)، ويدخل في هذا الباب طلب معرفة القدر من قِبل العرافين والكهنة، فقد انتشر ذلك عند العرب في الجاهلية، إذ إن الكهنة والعرافين هم أولياء الشيطان ورسله، كما قدمنا في الفصل الثاني من هذا البحث، فهم من يسعى إلى تحقيق هذه الغاية الشيطانية بصرف البشر عن التوكل على الله والإيمان بقضائه إلى تعليقهم بالكذب والخداع، وإثارة الهموم المستمرة في قلوبهم وأذهانهم، وقد حذر الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - تحذيراً شديداً من الذهاب إلى العرافين أو تصديقهم فعن صفية عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ". (2) وعن أبي هريرة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. (3) يقول شارح العقيدة الطحاوية: "فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسئول؟ ومراده: إذا كان السائل لا تقبل له صلاة أربعين يوما، وإذا كان الذي يصدق الكاهن والعراف يكفر بالمنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكيف يكون حكم الكاهن والعراف! " (4).
(1) - جامع البيان - للطبري - م 4 - ج 6 - ص 98.
(2) - موسوعة الحديث الشريف - الكتب الستة - صحيح مسلم - كتاب السلام - باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان - ح 5821 - ص 1074.
(3) - مسند أحمد - ج 2 - ص 429 - ح 9532، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن، رجاله ثقات رجال الصحيح.
(4) - شرح العقيدة الطحاوية - لآبي العز بن الحنفي - ص 502.