مقدمة من نثر، ومن أوائل من نظم في تأبين صاحب هذا الكتاب، ولما فهموا ما فهمه العلماء رأيتهم يكتبون في ذم القومية العربية، ويسعون لكشف الحقائق الصحيحة التي تخالف ظاهر الدعوة لدى زعيمها عبد الناصر، فمن ذلك وهو أمر بسيط يستطيع هذا الزعيم المزعوم أن يتمسك به ظاهراً، ولا يضره تمسكه به، أنه في نفس الوقت الذي يدعو فيه إلى القومية العربية إذا جلس مع خاصته أو جلس مع من لا يتقنون التحدث باللغة الإنجليزية تكلم بها متفاخراً بها ومتعالياً عليهم!
فأين العروبة في هذا الأمر الذي هو من السهل التمسك به؟!
ولا يفقده التمسك به لذة ولا منصباً ولا جاهاً، بل يزيده منصباً وجاهاً وشهرة.
فما بالك بما هو أكبر ويرتبط بالمنصب والجاه؟
فقد ترجم أحدهم من كتاب أحدهم وهو «ينابيع الذاكرة» تقول الترجمة: (أن عبد الناصر سأل حاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد المكتوم - رحمهما الله - عند لقائهما في القاهرة سنة 1959 م عن الإدارة الحكومية في دبي).
ردّ الشيخ راشد قائلاً: إن كل الخدمات الرئيسة تدار بمعرفة مسئولين بريطانيين، كان جواب عبد الناصر، - كما يرويه عيسى - مفاجأة غريبة: (أشكرك لأنك أخبرتني الحقيقة، لديَّ ملفات عن هؤلاء، عليك الاحتفاظ بالإنجليز على الدوام، بوسعك أن تستند على أكتافهم، وأن تستخدمهم لتعليم الأولاد والشبان الانضباط، أنا لست ضد الإنجليز لا تسمع لما يقوله صوت العرب) (1).
وبهذا تعلم أنه ليس التجمهر وحده كافياً في صدق الميت المحمول مع مبادئه، وليس التزاحم على الجنازة وحده يبين استقامة مسلكه ومنهجه، وليس الالتفاف حول الجثة وحده قادراً على إقناعنا بصحة أفكاره، بل الذي يقنعنا بصحة أفكاره، ويزيدنا قناعة بصدقه مع مبادئه واستقامة منهجه ومسلكه هو نوعية المتجمهرين، وسمة المتزاحمين، وصفة الملتفين حول تلك الجنازة، وباعتبار النوعية، والسمة.
ثالثا .. .
الشيخ عبد العزيز بن باز كان تفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
(1) صحيفة "الشرق الأوسط" 18/ 11/1998 م.