أما بعد: إن الله سبحانه وتعالى قد أكرم الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات؛ وذلك بما وهبه الله جل وعلا من عقل يميز فيه بين ما يحتاج إليه وما لا يحتاج، وهذا من نعم الله عز وجل وفضله وإحسانه، وقد كرم الله سبحانه وتعالى بني آدم بهذه الخصيصة سواءً كانوا من أهل الإيمان أو كانوا من غيرهم، والإنسان ميزته بعقله وإدراكه، فكلما كان أكثر إعمالاً لهذا العقل كان من أهل الفضل والمنقبة عند الله عز وجل، وإذا لم يكن من أهل الإعمال للعقل قل نصيبه في ذلك، وأصبح من أهل الضلال والزيغ والانحراف، بل ربما لو سلم من عقله لكان خيراً له؛ وذلك أن الإنسان إنما وهبه الله عز وجل تلك الأداة ليسلك بها طريق الخير، وأما من أوتي أداة فاستعملها في غير مرضاة الله عز وجل، أو في غير ما وضعت له فإنه يسلكها في شر، ومن سلكها في الشر كان عدم استعمال تلك الآلة أو عدم وجودها أولى في حقه, كحال الإنسان حينما يعطى لباساً ويستعمله في غير موضعه، أو يعطى آلة فيضعها في غير موضعها, ولو عدمها لكان خيراً له، ولهذا جعل الله جل وعلا الكفار كالأنعام أو أضل سبيلاً، فهم كالأنعام من جهة عدم الفائدة من هذا العقل، وأضل سبيلاً باعتبار أنهم قد ألحقوا بأنفسهم الضرر مع إمكانهم النجاة، فالبهائم لا يمكنها أن تميز بين الخير والشر، وإنما وقعت فيما قدره الله جل وعلا لها بما تستطيع معه الاختيار، فهي لم تضر بنفسها عمداً, بخلاف الإنسان فقد ملك الآلة وقصر في إدراك الحق.
الشبهات وأثرها في الثبات · الصفحة ٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الشبهات وأثرها في الثباتص ٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي