فإنما هي الأنفاس لو حسبت : انقطعت عنكم أعمالكم , إنكم أصبحتم في أجَل منقوص ، والعمل محفوظ ، و الموت – والله – في رقابكم ، و النار بين أيديكم ، فتوقعوا قضاء الله عز و جل في كل يوم و ليلة .
لقد فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لُب فرحاً و إن أمراً هذا الموت آخره ، لحقيق أن يُزهد في أوله .
وإن أمراً هذا الموت أوله ، لحقيق أن يُخاف آخره ) (1)
ميزان بصري في فقه الدعوة
وصاغ الحسن خلال ذلك ميزاناً إيمانياً يقدم له الواقع المرئي كفاية من دلائل الإقناع ، ربما نشتق له اسم ( ترجيح التخويف ) ، ساقه في صورة خطاب ، فقال : " إنك والله لأن تصحب أقواماً يخوفونك حتى تدرك أمناً ، خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف " (2)
وهو ميزان يمثل بعضاً مما أضافه الحسن إلى فقه الدعوة . فالخوف العاجل عنده ، المؤدي إلى التقوى ، المؤدية إلى أمن آجل في ظلال الجنان : خير من مدّ عريض للنظر إلى صفات الله سبحانه في الرحمة واللطف والغفران .
وكلاً من الحالتين تُراد ، والأمر في حقيقته معلق بنسبية واضحة ، ربما أوجبت تخفيف رهبة البعض بأبواب من الرجاء أغلقتها عليهم شدة الخشية ، ولكن هذا المعدن فريد ، والغرور يلف الجمهرة العظمى ، وما من دواء له إلا الإخافة بقصة التلال الهامدة .
و في التنبيه على هذه النسبية يقول ابن الجوزي :
" إذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم ، وفسدت في الخير أعمالهم : أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت ، وأحاديث الآخرة تُقرأ عليه ، و تجري على لسانه ، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تفيد إلا انقطاعه بالمرة .
(1) الزهد لأحمد بن حنبل /285 و مصادر أخرى .
(2) الزهد لابن المبارك /102 .