تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و بهذه الحروف اختتم رضي الله عنه سيرة أتعبت كل دعاة الإسلام من بعده .

فالحياة يطلبها الغيور طلباً ، ويجزع لورود الموت جزعاً ، لما سيحول بينه وبين خدمة المسلمين والقيام بأمور دعوة الإسلام .

وغدا هذا المفهوم ، بهذا المقدار ، يمثل الوجه الآخر للتربية الحركية الكابحة لانطلاق الآمال الدنيوية ، يمارس الداعية خلال نظره المتكرر إليها إيجابية تبعده عن يأس سلبي وتزهيد بالعمل يسببه نظر ناقص إلى مجرد كبت الآمال .

مدرسة الكوفة تواصل الذكرى

ولئن كشفت هذه الكلمات في نهاية خلاقة عمر - من جانب - للغافلين سر ما رآه المسلمون منه من تعب و سهر و تفكّر ، فتأهبوا للاقتداء ، فألهاهم عبدالله بن سبأ زمن عثمان رضي الله عنه ، وأذهلهم ، فإن تشميراً رآه الناس في بداية خلافة علي رضي الله عنه ، كان بحاجة - من جانب آخر - بعد ذاك الذهول ، إلى كلمات أخرى تعظهم ، و تعيب عليهم أملاً وجد له أثناء سنوات الفتنة مجال نمو ، بردت معه همم المقتدين .

و من هذه الحاجة نشأت مدرسة الكوفة في التذكير بالموت ، إذ طفق علي رضي الله عنه يجمع الناس في مسجد عاصمته ، ويصارحهم و يقول : " إنما أخشى عليكم اثنين : طول الأمل ، و اتباع الهوى ، فإن طول الأمل يُنسي الآخرة ، و إن اتباع الهوى يصد عن الحق " (1) . و تنتدب جمهرة من فقهاء أصحابه نفسها لمعاونته ، فيقوم الصحابي الأغلب بن جشم العجلي بعده ، فينشد بين يديه قصيدته التي مطلعها :

المرء تواقٌ إلى ما لم ينل **** و الموت يتلو ، ويلهيه الأمل

فيتلوه سيد زهاد التابعين : أُويس بن عامر القرني ، فيقول : " يا أهل الكوفة : توسّدوا الموت إذا نمتم ، واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم " .

حتى إذا قُتل علي بعدما خشعت القلوب وادكرت استمرت ثلة من أصحابه على سمته في الوعظ ، فكان الربيع بن خثيم يقول لهم :

(1) الزهد لابن المبارك / 86 .

الرقائق · الصفحة ٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٦١