تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منها : عبودية لا تشوبها الوساوس ، لبساط الأرض جميعه ، حشائشه و الباسقات ، نبهك القرآن لها ، في قوله عزّ وجلّ : ﴿ والنجم و الشجر يسجدان ﴾ .

قال الطبري : " يعني بالنجم : ما نَجَم من الأرض من نبت ، وبالشجر : ما استقل على ساق " (1)

فهو منظر سجود دائم يراه المؤمن ليكون له تذكرة حين تثقله الغفلة ، يديم له سجوداً قلبياً ، آيته الرضا عن الله ، والتسليم لحكم حلاله وحرامه ، به يستكمل سجود جبهته مغزاه .

ومتى ذاق المؤمن ، بالخلوات المسترسلة ، لذة مراقبة هذا السجود الأخضر ، المتوشح بألوان الزهر ، وأذن لقلبه أن يبالغ في الهبوط مقلداً ، حتى يلامس أوطأ الإخبات : نادى غيره للمشاركة ، وعرض عليه الرفقة ، منخلعاً عن حسد واحتكار .

وتلك هي دعوة إقبال ، لما ظفر بسر السياحة الإيمانية الصامتة ، في البراري الناطقة ، ونبهك إلى إنصات واجب ، لتسبيح دائب ، و أوصاك أن :

دع الدور و اطلب فسيح البراري **** و انظر إلى صفحات الجمال

على حافة الماء دون ملال **** تأمل ترقق ماء زلال

وحدق إلى نرجس ذي دلال **** وقبِّل عيوناً له كاللآلي (2)

و كان عبد الوهاب عزام أول مجيب له ، وطفق يستغرق في التأمل ، فرآه جاهل بما هنالك فأنكر عليه ، فقال :

لست أخلو لغفلة و سكون **** وفرار من الورى و ارتياح

إنما خلوتي لفكر و ذكر **** فهي زادي وعُدّتي لكفاحي

و ما زاد بهذا على أن جدّد مذهباً سالفاً ، و عرفاً عند أول المسلمين ، في استلال ساعة من بين حركاتهم في التعلم و التعليم ، والأمر و النهي ، و ضرورات المعيشة ، يميلون فيها إلى التفرد خارجاً ، والركون إلى أرباض مدنهم ، و الجلوس بين الزروع ، يرجون لأنفسهم بصائر و تذكرة .

(1) تفسير الطبري 1/516 – طبعه دار المعارف .

(2) ديوان رسالة المشرق 30 .

الرقائق · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٤٠