تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا وجبت الموعظة ، وانبغى التحذير ، في كلام كمثل هذه الرقائق ، كي لا تهبط النفس المؤمنة ، إذ آمنت ، بشيء من رذاذ الاقتراب ، بل حياتها في السمو ، و نجاتها في العلو .

إنها قطعة من البيان نادرة أتى بها الشاعر ، و أهداها الناشئة ، لكنها حكمة المنتهين .

وليس ذلك بمستغرب في عرف الحكمة الإسلامية ، فإنها أبدية الصواب ، ليس لها مرحلة متطورة جاءت من بعد سذاجة و تخلّف ، لكنها كما تصلح انتهاء : كانت تصلح توسطاً ، وصلحت ابتداء ، مع بدء الحياة البشرية ، وآية ذلك أن التوحيد أُوحي إلى آدم عليه السلام ، بدءَ الحياة ، وكان نبياً ، و أُلهمت التقوى إلى هابيل ، فكفَّ يدَه .

فانظر إشراقة القلب ولطف الإحساس في هذا الرمز المفصح عن طبائع النفس الزكية ، وانظر بمقابلة غلظ حجاب قلب شاعر ملحد يدعو إلى البهيمية ..

إنما العيشُ في بهيمة اللذة *********** لا ما يقوله الفلسفي

حكمُ كأس المنونِ أن يتساوى **** في حساها الغبي و الألمعي

و يصير الغبي تحت ثرى الأرض **** كما صار تحتها اللوذعي

فسل الأرضَ عنهما إن أزال **** الشكَّ و الشبهةَ السؤالُ الخفي

وواضح هنا أن هذا الملحد أشار إلى أن المعاني الحقة هي قول الفلسفي ، لا قول الواعظ المسلم ، ليتجنب في ظنه ما قد يكون من اتهامة بالمروق عن الدين .

قال أبو حيان التوحيدي : سمع أبو سليمان محمد بن طاهر السجستاني المنطقي هذه الأبيات فقال : " هذا النمط مفسدة للشباب الأغرار ، الذين ليست لهم بصيرة في الأمور ، وهم عبيد الاحساسات الوافدة بالعادات الفاسدة ، والاعتقادات الرديئة بتلقين قرناء السوء ، وقائل هذا قد عاند الدين ، وخلع ربقة الحياء ، و افصح عن الفساد ، وصَدّ عن الحكمة ، و قدح بزند الشبهة في النفوس الضعيفة ، والعقول الخفيفة .

يا مسكين : أَمِن أجل أن الصالح و الطالح و العالم و الجاهل صاروا تحت التراب : يتساوون في العاقبة ؟

الرقائق · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ٤