والذي يؤسف له أن مخاوف ابن القيم هذه تحولت إلى واقع تحياه بعض مجالس الدعاة الحالية ، ووجد التزين وسيلة ليظهر فينا ، وزادت الخلطة بين الدعاة عن مقدارها الذي تحتاجه الدعوة وتحولت إلى شبه بطالة وشهوة تلهي عن مقصود تجمعنا في متابعة العمل مع الناشئة والجدد ، وفي الانطلاق خلال المجتمع العام لتبليغه كلمة الإسلام .
و المرء يعجب من صغيرة غيرة !
و لو أن عادتَي التزين و البطالة تقفان عند حدهما لعولج أمرهما بمجرد استنهاض وتذكير خفيفين ، ولكن هاتين الآفتين تتعديان في آثارهما ، ويتولد عن اجتماعهما خلق الضيق عن العفو ، بينما يشير استقراء الحياة الجماعية إلى ضرورة خلق التسامح والمرونة لمن يحياها .
وقد يظن البعض أن مثل هذا الكلام أقرب إلى مواعظ العامة منه إلى بحوث فقه الدعوة ، ولكن من يعاني إدارة العمل اليومي للدعوة الإسلامية يدرك ضرورته ، و يعرف كم من الترف ، بل و الخطر ، يكمن فيمن يتعالى عن مثل هذه المواعظ ليهمس بمعاني فنون التخطيط والعمل السياسي في آذان من تضيق صدور بعضهم عن معاني التسامح و العفو عن صاحب الزلة و الخطأ ، ولا بد من اقتران التوعية العملية للداعية المسلم بالتربية الخلقية الإيمانية ، ولا بد من سيرهما معاً .
وهذا هو مصدر إصرار الأقدمين و المعاصرين على التوصية بسعة الصدر ، و التحابب الأخوي .
يقدمهم الفضل بن عياض فيقول : " من طلب أخاً بلا عيب صار بلا أخ " فضع في حسابك عندما تعقد ( عقد الأخوة ) أن من تتعاقد معه غير معصوم .
ويأخذ الشعراء دورهم في التوصية ، فيقول مشرقيهم :
لا لوم في خطأ ولا تثريبا
و يقول مغربيهم :
سامح أخاك إذا أتاك بِزلَّة
ويقول ثالثهم :
إذا ما بدت من صاحب لك زلة **** فكن أنت محتالاً لزلته عذراً
أحب الفتى ينفي الفواحشَ سمعُه **** كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسط أذى **** ولا مانع خيراً ، ولا قائل هجرا