إن هذا العقد الأخوي يزيد الواجب الإيماني ثبوتاً ، وما نراه إلا كبيعة سلمة بن الأكوع الثانية رضي الله عنه تؤكد بيعته الأولى حين كانتا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة ، كما جاء عنه في صحيح البخاري في قوله : ( بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فقال لي : يا سلمة : ألا تبايع ؟ قلت : يا رسول الله قد بايعت في الأول . قال : وفي الثاني ) (1) ، فكذلك المسلمون : أوجب الإسلام على بعضهم البعض حقوقاً ، ويتبايعون بعقد أخوة في الثاني ، زيادة خير ، وابتغاء توثق ، وعنصر تذكير ، لتنشأ الجماعة المؤتلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها إقبال – رحمه الله – في رموزه حين يقول :
كل فرد بأخيه ائتلفا **** مثل در في سموط ألفا
لفهم في عيشهم معترك **** كل فرد بأخيه ممسك
من جذاب تتوالى الأنجم **** كوكب من كوكب مستحكم (2)
وهكذا ، فإنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غدوة يهب فيها لدعوته – بفضل الله – ناشئاً يغمس نفسه فيؤزره ، فيستغلظ ، فيستوي على عقد الأخوة ، يعجب الدعاة ، و يغيظ به الكفار .
ميزان التصاحب
وهكذا تكون الأخوة بين الدعاة هي الركن المهم في تربيتنا بعد الصلاة والتسبيح ، وما من جزء من أجزاء الحركة الإسلامية يقذف بنفسه في ميدان العمل العام قبل إحلال معاني الأخوة الإيمانية في أعضائه إلا ذاق وبال تساهله وتفريطه ، ولا مناص من أن تَدرج بدايته على طرق الإيمان واستغلال دقائق الليل الغالية ، ويكون فيه ( أدب الأخوة ) مترجماً في تناصح وتكافل وتحابب يجمع القلوب ويعلمهاالتحالم - إن لم يكن الحلم - عند إبطاء المقصر و تجاوز الملحاح ، مثلما يعلمها المكافأة و الوفاء و الشكر عند إسراع المبادر و عدل خفيض الجناح .
(1) صحيح البخاري 9 / 98 .
(2) ديوان الاسرار و الرموز /84 .