فهذا أقصى ما يكون من الاتحاد ، بأدنى ما يكون من الوسائل ، فالرؤية واحدة ، والفكر والخيال واحد ، والرجاء واحد ، والمصير واحد ، كل ذلك يعطيه الإيمان ، وما أسهل تناوش من ملك القلب لهذا الإيمان البسيط ، ذي الأعطيات الثمينة .
و نثني بالأخوة ..
" أما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة .. الأخوة في الله على منهج الله ، لتحقيق منهج الله : ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً , وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ ..
فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام .. من الركيزة الأولى .. أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، وعلى أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !
﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتنّ الله بها على الجماعة المسلمة الأولى ، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً " (1)
" وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى - في المدينة - على هاتين الركيزتين .. على الإيمان بالله : ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه , وتمثل صفاته في الضمائر ، و تقواه و مراقبته ، و اليقظة و الحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال . وعلى الحب : الحب الفياض الرائق . والود : الود العذب الجميل . و التكافل : التكافل الجاد العميق .. و بلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغاً ، لولا أنه وقع ، لعد من أحلام الحالمين ! وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ، ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة ! وهي قصة وقعت في هذه الأرض ، ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد و الجنان !
(1) الظلال 4/23 – 28 .