تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تعلم الإخلاص ، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل ، كما يقول وليد ، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس . قال ، والحق ما قال :

ياليل قيامك مدرسة **** فيها القرآن يدرسني

معنى الإخلاص فألزمه **** نهجاً بالجنة يجلسني

و يبصرني كيف الدنيا **** بالأمل الكاذب تغمسني

مثل الحرباء تلونها **** بالإثم تحاول تطمسنى

فأباعدها و أعاندها **** و أراقبها تتهجسني

فأشد القلب بخالقه **** والذكر الدائم يحرسني (1)

وأكثر من هذا فإن من يتخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله ، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القديم ، شاهده وأرشدك إليه, فقال :

" بحسبك أن قوماً موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وأن قوماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم " .

فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة ، وليل غيرهم نوماً ؟ ونهار الأولين جداً ، ونهار الآخرين شهوة ؟

أتسبقك الحمامة ؟

وإنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي ، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله :

أنام على سهو و تبكي الحمائم **** وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلاً **** لما سبقتني بالبكاء الحمائم (2)

فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع ، و الشجاعة تسقى بدموع الليل ، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك ، ولم يقل ابن القيم باطلاً في وصفه لهم بأنهم :

يحيون ليلهم بطاعة ربهم **** بتلاوة ، وتضرع و سؤال

وعيونهم تجري بفيض دموعهم **** مثل انهمال الوابل الهطال

في الليل رهبان ، وعند جهادهم **** لعدوهم من أشجع الأبطال

بوجوههم أثر السجود لربهم **** وبها أشعة نوره المتلالي (3)

(1) أغاني المعركة 38 .

(2) طبقات الشافعية للسبكي 3/171 .

(3) اغاثة اللهفان 255 .

الرقائق · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرقائقص ١٥