وفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: «مَا كُنَّا نَدَعُ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ إِلا كَرَاهِيَةَ الجَهْدِ» (1).
الفوائد والأحكام:
الأول: دَلَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرةٌ عَلى أَنَّ الحِجَامَةَ تُفَطِّرُ الحَاجِمَ والمحْجُومَ، ودَلَّتْ أَحَادِيثُ أُخْرى عَلى أَنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ؛ وَلأَجْلِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الحِجَامَةِ، فَالجُمْهُورُ عَلى جَوازِهَا لَلصَّائِمِ، وَأَنَّ أَحَادِيثَ النَّهي مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الجَوَازِ (2)، ومَذْهَبُ الإِمامِ أَحْمَدَ عَلى أَنها تُفَطِّرُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلامِ ابنِ تَيْمِيةَ وتِلمِيذِهِ ابنِ القَيِّمِ (3)،
(1) رواه البخاري (1838) والرواية الثانية لأبي داود (2375).
(2) جاء الترخيص في الحجامة للصائم عن أبي سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة -، وبه قال عروة وسعيد بن جبير، وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي، انظر: المغني (4/ 350) والاستذكار وذكر فيه ابن عبدالبر أن أحاديث المنع منسوخة بأحاديث الرخصة (3/ 324 - 326) والمحلى (6/ 204 - 205) وفتح الباري لابن حجر (4/ 174 - 178) وسبل السلام (2/ 158 - 160) ونيل الأوطار (4/ 275).
(3) ممن قال: إن الحجامة تفطر الصائم: عطاء وعبدالرحمن بن مهدي، وهو مذهب أحمد، وقال به إسحاق وابن المنذر وابن خزيمة، ونقل ابن قدامة عن جماعة من الصحابة أنهم يحتجمون ليلاً في الصوم منهم: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس -، انظر: المغني (4/ 350) ومجموع الفتاوى (25/ 257) ورسالة حقيقة الصيام (81 - 84) وتهذيب السنن (6/ 354 - 368) وإعلام الموقعين (2/ 52).
وقال ابن القيم في الزاد (4/ 61 - 62): «لا يتم للقائلين بجواز الحجامة للصائم إلا بأربعة أمور:
أحدها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صحيح غير مريض.
الثاني: أنه احتجم وهو مقيم غير مسافر.
الثالث: أنه احتجم في صوم الفرض لا صوم النفل.
الرابع: أنه احتجم بعد النهي عن الحجامة لا قبلها، فإذا تمت هذه الأمور الأربعة أمكن القول بجوازها للصائم وإلا فلا» أهـ.