وكان مما ذكرته كتب السيرة أن قال لما رأى المشهد (والله ما نجت منه ولا نجا منها) ، وفشت هذه المقالة في الناس ، وجعل الخبيث يستوسني الإفك ، ويشيعه ويفرقه في الناس وهو المعني بقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ النور : 11 ] ومعنى قوله كبره : أي تولى معظمه ، وقام على نشره وإذاعته .
وصل الجيش المدينة ، والرسول يحسن الظن بزوجه ، وبالصحابي صفوان ولكن أرباب النفاق استعملوها للكيد والنيل من عرض رسول الله ، ودعوته .
ومن المؤسف انزلاق بعض الصحابة في ذلك نحو حمنة بنت جحش ومسطح وحسان رضي الله عنهم حيث خاضوا مع من خاض ، وقد عاتبهم القرآن في ذلك فقال ﴿ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ ﴾
[ النور : 12 - 13 ] .
نما الخبر إلى رسول الله ، فتألم كثيراً ، ولكن قاوم بصبره العميق ، وجلس منتظراً متأملاً ، وكان الإفك بلاء له ولزوجه ولأبي بكر وزوجه والدي عائشة رضي الله عنهم .
وعائشة حين وصولها المدينة ، لم تكن تعلم بما يقول الناس فيها حتى خرجت ذات يوم مع أم مسطح بن أثاثه فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعِسَ مسطح ، فقالت عائشة : بئس لعمري ما قلت لرجل شهد بدراً ، قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت عائشة : وما الخبر ؟ فحدثتها بالإفك .
فوقعت عائشة في كرب شديد ، وجاءها الغم من كل مكان ، وأحاطتها الدموع والأحزان ، وعادت إلى بيتها ، لا تهنأ بنوم ، ولا يجف لها دموع ، وحدثت أمها فقالت لها كلمة حكيمة : (خففي عليكِ ، فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ، ولها ضرََائر ، إلا أكثرن عليها) .