وهو ما عناه الله بقوله ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ [ الصافات : 139-142 ] .
أوحى الله إلى الحوت فابتلعه على أن لا يأكل لحمه ، ولا يهشم عظمه .
واستقر به الحال في الحوت الكبير ، يشق به الأمواج ، ويهوي إلى الأعماق في ظلمات متضاعفة ، وشدائد صعبة ، فضاق صدره وفزع إلى ملجأ المضطرين ومفزع المنكوبين ودعا المكروب المشهور : ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ [ الأنبياء : 87 ] .
فسمعت الملائكة صوته ، فعرفته وقالت : (صوت معروف من عبد معروف) فاستجاب الله دعاه ، وأوحى للحوت أن ألقه في العراء ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ﴾ [ الصافات : 145 ] . قيل باليمن وقيل على جانب دجلة . ﴿ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [ الصافات : 143 - 144 ] . من المستحسن قبل المصلين أوله عمل صالح سابق .
خرج من الحوت وهو عليل سقيم ، هزيل فرحمه الله بأن أنبت عليه شجرة من يقطين طعم من ثمرها ، واستظل بورقها ، حيث أن هذه الشجرة لا تقربها الحشرات قال تعالى ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنبياء : 88 ] . ولما استوى وعوفى لما جاءه ، أمره الله أن يرجع إلى بلده ، وأخبره أنهم آمنوا ، وقد نبذوا الأصنام .
قال الله تعالى لرسول محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّالِحِينَ ﴾ [ القلم : 48 - 50 ] .