فصانوا الماء ، وغرسوا الزرع ، وجملوا البساتين ، فأنبتها الله نباتاً حسناً وبارك الله لهم في أرزاقهم ، وبعث إليهم رسله ، وأمرهم بعبادته ، لكنهم أعرضوا وكفروا ، وقد بين كفرهم في مكان آخر ﴿ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [ النمل : 22 - 24 ] .
ومن النعم : أن المرأة كانت تدخل البستان بالمكتل فيمتلئ ولا تحرك يدها لشيء. مكثوا مدة على ذلك النعيم ، والله ليس بغافل عنهم ، واتسعت فيهم الخيرات ومن صور الخير والنعيم عندهم : ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ ﴾ [ سبأ : 18 ] .
القرى متقاربة ، والخيرات دانية ، حيث مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء ، بل حيث نزل وجد الزاد والماء . والقرى المباركة هي : الشام .
لكنهم لفسادهم بطروا النعمة فقالوا : ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ [ سبأ : 19 ] .
تمنوا مغاوز وقفار يحتاجون فيها للزاد والماء والمتاع ، فمزقهم الله وفرقهم في الأرض شذر مذر حيث أعرضوا عن دينه وكذبوا رسله ، قال تعالى : ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ [ سبأ : 16 ] .
أرسل الله الجُرذ فنقبت السد ، وخرب الجنان والبساتين ! تحولت الجنان الجميلة إلى خمط وهي الأراك والأثل وهو الطُرفاء .
ولما كان السدر أجودها ﴿ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ .