قبل أن يستلم الجرذ مهام منصبه الجديد، ويبدأ مزاولة أعماله بحراسة سيده الثعلب، كان هذا الأخير يستقبل بين الحين والآخر زواره، وأصحاب القضايا المحتاجين لمشورته ومساعدته. أما الآن فالجرذ أتقن فن التعامل مع حيوانات الغابة. إذ كان نادراً ما يسمح للمظلومين المتظلمين برؤية سيده. بل ولا حتى الزوار الأقل مرتبة، إذ كانوا بحاجة إلى انتظار طويل حتى ينالوا شرف مقابلة الثعلب، فالزيارات والمقابلات يجب أن تتم بمواعيد مسبقة. ولأهداف وغايات تعود بالنفع والفائدة على الثعلب بالدرجة الأولى، وعلى حارسه بالدرجة الثانية.
أَمَّا أن يستقبل الثعلب زواراً لحلّ مشاكلهم أو مساعدتهم في حلّها دون مقابل أو منفعة أو مصلحة، فكان الجرذ يعرقل مثل هذه الزيارات وبالتالي يحول دونها.
الثعلب كما هو معروف عنه محتالاً، ذكياً، فهم رغبة الجرذ في الأكل. فكان يحضر له طعاماً زائداً عن حاجته، تحسنت صحة الجرذ وزاد وزنه كثيراً، كان يعلل ذلك بالوقار، وبأن ضخامة الجسد علامة من علامات الغنى والنعمة، كان يحرص على سماع أخبار الحرج كل يوم وينقلها إلى سيده الثعلب، وكان يمطره بعبارات التفخيم والإطراء قبل وبعد كل وجبة طعام. كان يؤكد له كل يوم أنه وحده زعيم هذا الحرج وحتى الأحراج المجاورة. وهو وحده الذي يملك حارساً على باب وكره. وقد يكون زعيم الغابة المطلق في المستقبل وأن وحوش الغابة كلهم يخافونه ويحسبون له ألف حساب.
الثعلب يعلم جيداً إمكاناته، ومع ذلك ينعشه الإطراء أحياناً وكم من مرة رأى في منامه أنهم نصبوه زعيم الغابة المطلق. وعندما يستيقظ يفسر حلمه هذا أنه نتيجة تكرار الجرذ على مسامعه أنه الزعيم الذي لا يشق له غبار.
إلا أنه لم ينسَ الرعب الذي دبّ في أوصاله عندما رأى ذات يوم وعلى مسافة بعيدة نمراً من نمور الغابة يتجه نحوه، وكيف طار هلعاً ورعباً من الزعيم الحقيقي. فالثعلب يدرك أن الزعامة تمنحها الحياة للزعماء الحقيقيين. لا جرذ منافق أمضى عمره في أنفاق الأرض وفي أماكنها القذرة. ولم ير نمراً واحداً في حياته. أو يلتقي وحشاً كاسراً من وحوش الغابة.