تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-أنا لا أكرههم يا أماه! أنا أريد لهم المزيد من الخير... لكنني أكره أن أراهم يزحفون على الأرض زحفاً، أريدهم أن يحلقوا عالياً جداً يا أماه، أن يتأملوا كوكب الأرض الجميل بعيداً عن صخب المطامع والأهواء..

قالت الأم:

-الزاحف على الأرض والمحلق عالياً جداً فوقها لا يستطيعان رؤيتها جيداً.. وإذا كنت قد كرهت زحف الزاحفين فلا تزحف بل سر عليها واهبط إلى أوديتها واصعد إلى ذراها ولا تنفصل عن الناس وعنها. إنَّ عمق الوادي قد يظهر المزيد من جلال الجبل، وكذلك حال النظر من أعلى الجبل إلى الوادي. فابق معنا يا بني.. واعمل الخير للناس بين الناس لا بعيداً عنهم. وليكن شعارك: مع الناس ومن أجلهم.

قال منفعلاً:

-حسبتك جناحاً أطير به عالياً وهل أنا ذا أراك قيداً يمنعني من الطيران.. أريد أجنحة يا أمي، لا أريد قيوداً.

نظرت أمه إلى عينيه فرأت فيهما الحزم فقالت بأسى:

-ليس الكائن جناحين وحسب يا بني!

ودخلت بيتها حزينة... ومضى إلى الكهف غير متردد.

كان شاباً شجاعاً ومؤمناً بقضيته فشرع يعمل بجد. يقرأ الكتب والقوانين.. راح يرسم الخطط المثلى مسترجعاً في ذاكرته أفضل النظم من دنيوية وما أتت به الشرائع الدينية من سماوية ووثنية. ومرت الأيام والشهور.

كان رفاق شبابه يأتون في الأماسي إلى قاعدةِ الصخرةِ ويليحون له بمناديلهم... وكان يرد على تلويحهم أحياناً ثم صار يتجاهل تحياتهم فنقص عدد الذين يأتون ونقص حتى لم يعد يأتي أحد.

ونسيه الجميع.. وانهمك في عمله حتى نسي الجميع. مر الصيف والخريف وجاء الشتاء بلياليه الطوال الباردة، وأقبل الربيع وهو منكب على عمله، يبني على الورق مدناً وينشئ مزارع نظيفة، ويقيم المصانع العملاقة الرائعة ويطيع القوانين ثم يعيد النظر في ما أنشأ وأقام... وأعادت الفصول دورتها وتوالت الأعوام. وكان قد أقام حقلاً صغيراً قرب الكهف، وربى بعض الدواجن وزرع في أرجاء الكهف بعض الخضار فكفاه ذلك وسد حاجاته المتواضعة.. وشغله العمل الدائب عن كل ما عداه فلم يفطن إلى أن تراكم الثلوج شتاء، وانهمار الأمطار ربيعاً، وحرارة الشمس صيفاً، وجنون الرياح خريفاً قد فعلت فعلها في الحبال التي صنع منها السلم الذي صعد عليه إلى الكهف فاهترأت وتقطعت كما وهت ثم انقطعت الحبال العاطفية والروحية التي كانت تربطه بالأهل والأقرباء والجيران والأصدقاء..

الأطفال · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأطفالص ١٩٩