أكلَ غسّانُ الحلوى، ولحسَ شفتيهِ، بلسانِهِ الطويل، ثمّ قال:
ـ أخبرْني الآنَ: لماذا أهديْتني الحلوى؟
قلْتُ ساخراً:
ـ ليصبحَ كلامُكَ المرُّ حُلواً!
ـ أيُّ كلام؟
ـ الكلام الذي نقلْتَهُ إليَّ، ونقلْتَهُ إلى أسامة!
انصرفَ خجلاً، وتركَنا نضحك..
V
الوفاء
جاءَ آخرُ العامِ الدراسيّ..
خرجْتُ إلى الباحة، أقبلَ نحوي صديقي أسامةُ، وعلاماتُ الحزنِ مرسومةٌ على وجههِ..
ـ ما بكَ يا أسامة؟
ـ هذا آخرُ يومٍ أراكَ فيه.
ـ لماذا؟!
ـ انتقلَ أبي إلى حمصَ، واستأجرَ لنا بيتاً هناك.
فاجأني الخبرُ الحزينُ، أطرقْتُ واجماً حائراً، لا أدري ما أقول!
قال أسامةُ مُواسياً:
ـ المسافاتُ البعيدةُ لا تفصلُ بينَ القلوبِ المتآلفة.
رفعْتُ رأسي، ونظرْتُ إلى وجههِ، رأيتُ الدموعَ تترقرقُ في عينيهِ، وحينَ مدَّ يدَهُ لوداعي، أحسسْتُ أنْ لا شيءَ يفرِّقُ بيننا، بعدَ أنْ جمعَتْنا روابطُ الصداقةِ المتينة.. ورنَّ جرسُ الدرس، فانفكَّتْ أيدينا المتعانقة، وانصرفَ أسامةُ، وهو يتلفَّتُ إلى الوراء.. لبثْتُ واقفاً في مكاني، أرنو إليهِ وهو يبتعدُ، شعرْتُ أنَّ خيطاً من مودَّةٍ، يُحسُّ به قلبي، ولا تراهُ عيني، يسيرُ وراءهُ حيثما سار، حتّى لو ذهبَ إلى أقصى الأرض، لظلَّ يتبعُهُ، ويمتدُّ..
مضى أسبوعان على غيابِ أسامة، فقالَ لي أبي:
ـ مالكَ لا تزورُ أسامةَ، ولا يزورك؟!
ـ أسامةُ انتقلَ إلى حمص.
ـ متى؟
ـ منذُ أسبوعين.
ـ ألم يصلْكَ خبرٌ عنهُ؟
ـ لا.
وجاءَتْ والدتي، وفي يدها رسالةٌ.. قدَّمتْها إليَّ، وقالَتْ:
ـ هذهِ الرسالةُ من صديقكَ أسامة، وصلَتِ اليوم.
تناولتُ الرسالةَ فرحاً، أسرعْتُ إلى غرفتي.. قرأتُها كلمةً كلمة.. كانَتْ عباراتها رقيقةً، مُفعمةً بالحبِّ والوفاء، وتذكَّرْتُ قولَ أسامة: المسافاتُ البعيدةُ لا تفصلُ بينَ القلوبِ المتآلفة. أحضرْتُ ورقةً وقلماً، وأطرقْتُ أفكِّر.. لم أكتبْ رسالةً من قبلُ، قلمي جامدٌ صامت، والورقةُ بيضاءُ فارغة، بينما قلبي مملوءٌ بالمشاعر!
أمسكْتُ بالقلم، وبدأتُ أكتبُ.. صارَ القلمُ ينطقُ بما أريدُ، والكلماتُ تنبضُ بما أشعر.. وبعدما فرغْتُ من الكتابة، حملْتُ رسالتي الأولى، وانطلقْتُ إلى صندوق البريد، وأنا أطيرُ من الفرح..
C
3 ـ أشعب الصغير
فَوْقَ الشجَرَة
استيقظْتُ باكراً، قبلَ الشمسِ والديوك..
ـ ثمَّةَ صوتٌ يناديني، لم يسمعْهُ أحدٌ غيري.