ولمّا علمَ أبي بأمرِهِ، قال لي ناصحاً:
ـ إيّاكَ ومَنْ مَوَدَّتُهُ على قَدْرِ حاجتِهِ، فإذا قضى حاجتَهُ منكَ، ذهبَ ما بينكَ وبينهُ.
ـ أتقصدُ أنَّ صداقتَهُ لم تكنْ عن مَودَّةٍ بل عن منفعة؟
ـ هذا ما أقصدُهُ بعينِهِ.
ـ ولذلكَ انهارَتْ سريعاً!
قال أبي: كلُّ شيءٍ لا يقومُ على أساس سليم، لا بدَّ أنْ ينهار.
x
صديق كاذب
قعدَ إلى جانبي تلميذٌ، اسمُهُ مهران، سألَني عمّا يعملُ أبي، فقلْتُ له:
ـ مُدرِّسُ لغةٍ عربيَّة.
وسألتُهُ عن عملِ أبيهِ، فقال:
ـ أبي محامٍ مشهور.
واكتشفْتُ فيما بعد أنَّ والدَهُ حلاّق.
طلبْتُ إليهِ أن يزورَني وأزورَهُ، فوعدَني أنْ يجيءَ لزيارتي، في الثالثةِ مساءً، لذلكَ حينما أرادَ أبي أنْ أُرافقَهُ في نزهةٍ، قلْتُ له معتذراً:
ـ سأنتظرُ صديقاً قادماً لزيارتي.
خرجَ أبي وحدَهُ، وعندما عادَ مساءً، سألني عن صديقيَ الجديدِ، فقلْتُ:
ـ لم يأتِ أحد!
ـ الغائبُ عذرُهُ معهُ.
وفي الصباح، ذهبْتُ إلى المدرسة، وسألْتُ مهرانَ عن سببِ إخلافهِ الموعدَ، فأجابَني قائلاً:
ـ كنتُ مريضاً، وأخذَني أبي إلى الطبيب.
ـ الحمدُ للهِ على سلامتك.
وفي اليوم نفسهِ، أخبرَني أحدُ الزملاء، أنَّهُ كانَ يلعبُ الكرة، معَ مهران، في الوقتِ الذي كنْتُ أنتظرُهُ فيه!
صرْتُ كلَّ يومٍ، أكتشفُ أُكذوبةً أو أكثرَ، من أكاذيبِ مهران، ولكنَّ ما فعلَهُ اليومَ، أوقعَني في وَرْطةٍ، وجعلَني أكرهُهُ، فقد سألَهُ المعلِّمُ، عن موضوعِ التعبير، فقال:
ـ نسيْتُ الدفتر.
ـ وهل كتبْتَ الموضوع؟
ـ كتبتُهُ أنا وأحمد.. اسألْهُ إذا لم تُصدِّقْ.
وسألَني المعلِّمُ:
ـ هل صحيحٌ ما يقولُهُ مهران؟
وقفْتُ مذهولاً حائراً، لا أدري ما أقول!
ألقيْتُ نظرةَ عتابٍ على وجهِ مهران، فوجدْتُهُ يرمقُني خائفاً، كأنَّهُ يتوسَّلُ إليَّ أنْ أُنقذَهُ، فرقَّ لهُ قلبي، وقلْتُ كاذباً:
ـ نعم يا أستاذ، كتبَ موضوعَهُ معي.
وحينما خرجْنا إلى الباحةِ، عاتبْتُ مهرانَ غاضباً، ولكنَّهُ بدلاً من الاعتذار، ضحكَ مسروراً، وقال:
ـ ولمَ أنتَ غاضبٌ؟!، أنا نجوْتُ من العقاب، وأنتَ لم تخسرْ شيئاً!
عدْتُ إلى البيتِ حزيناً، يُرهقني عذابُ الضميرِ، لأنَّني قد كذبْت..
نظرَ إليَّ أبي، وسألَني مدهوشاً:
ـ ما بكَ يا أحمد؟!
قصصْتُ عليهِ كلَّ شيء، فأطرقَ قليلاً، ثمّ رفعَ رأسَهُ، وقال:
ـ يا بنيّ، إنَّما سُمِّي الصديقُ من الصدق، والكذوبُ لا يصلح صديقاً.
ـ وماذا ترى؟