وأما الحائض فقد ورد عن عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ناوليني الخُمرة من المسجد"، قالت: إني حائض، قال: "إن حيضتك ليست في يدك" (1).
فهذا يدل على جواز مرور الحائض في المسجد وأنها ليست نجسة، ولكن النجس منها هو موضع الدم وهو الفرج؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تأتيه بالخًمرة من المسجد. والخُمرة: بضم الخاء: حصير صغير.
وأما لبث الجنب في المسجد فلا يجوز، على الراجح من أقوال أهل العلم، استدلالاً بالآية السابقة، وأخذاً بحديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (2).
لكن إن توضأ الجنب جاز له اللبث على ما قال الإمام أحمد. واختاره ابن تيمية (3) لما روى حنبل بن إسحاق عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد عن زيد ابن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ، ثم يدخل المسجد فيتحدث (4).
وعن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة (5).
وأما الحائض – ومثلها النفساء – فليس في منعها من المسجد إلا حديث عائشة – المتقدم – والأحوط ألا تلبث في المسجد إلا لضرورة – كما قال ابن تيمية – كما لو خافت على نفسها أو كان البرد شديداً أو كان فيه مطر أو نحو ذلك (6). ويدخل في حكم المسجد ساحته، ومكتبة المسجد – على ما تقدم
(1) أخرجه مسلم (298) وأخرجه بلفظ آخر برقم (299).
(2) أخرجه أبو داود (232) وابن خزيمة (1327) وهو حديث مختلف في تصحيحه، فقد صححه ابن خزيمة، وحسنه ابن القطان في "الوهم والغيهام" (5/ 332) والزيلعي في "نصب الراية" (1/ 194)، كما صححه الشوكاني في "نيل الأوطار" (1/ 270) وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: لا بأس بإسناده.
ضعفه البيهقي في سننه (2/ 443) وقال عبد الحق: لا يثبت، وبالغ ابن حزم فقال في "المحلى" (2/ 186): إنه باطل.
(3) الفتاوى (21/ 344 – 345).
(4) ذكره بان كثير في تفسيره (2/ 275)، وذكره المجد في المنتقى (1/ 399)، وقال ابن كثير: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. أهـ. وهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، سوى هشام بن سعد. فقد قال عنه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. أهـ. لكن نقل الحافظ في تهذيبه (11/ 37) أن الآجري روى عن أبي داود أنه قال: أثبت الناس في زيد بن أسلم هشام ابن سعد. أهـ.
(5) عزاه في "إعلام الساجد" ص (315) إلى مسند أحمد ومسند سعيد بن منصور، وقال: هذا إسناد على شرط مسلم. وكذا عزاه إلى الثاني فقط المجد في المنتقى (1/ 399) وساقه بإسناده.
(6) مجموع الفتاوى (26/ 177).